معا لغد افضل

أسس الحضارة الإسلامية ومقوماتها

شاطر

أسس الحضارة الإسلامية ومقوماتها

مُساهمة من طرف عادل في الثلاثاء 10 يونيو - 4:04

بعدما تحدثت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة عن معجزة العرب الحضارية في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) تساءلت عن المقومات التي احتاجها العرب ليبعثوا مثل هذا البعث ، كما تساءلت عن العوامل التاريخية والاجتماعية والروحية والفكرية التي كان لا بد لها أن تجتمع لتخلق هذه المعجزة التي حققها العرب.

وأقول جواباً عن تساؤلات المستشرقة الألمانية :

إن الإسلام وحده هو الذي كان وراء هذه البعث العربي والإعجاز الحضاري الذي حققه العرب ، فلقد كان العرب في حاجة إلى عقيدة إلهية واحدة تكون مصدر التجمع والتصور ، ومنبع الفكر ومنهج الحياة .. مؤثرة في المبادئ والشرائع والأنظمة والأوضاع التي تنظم المجتمع أفراداً أو جماعات مع نظام مؤثر في الأخلاق والآداب والتقاليد والعادات والقيم والموازين التي تسود المجتمع وتؤلف ملامحه مع سيادة القيم الإنسانية واستملاء الإنسان في العقيدة الإسلامية والنظام الاجتماعي الإسلامي.

أولاً : العقيدة :

تقوم العقيدة في الإسلام على تنظيم صلة الإنسان بالله وتعطيه قيماً معينة وشريعة تنظم الحياة الاجتماعية حسب هداية الله سبحانه وتعالى أن ترتكز هذه العقيدة على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وهي تعني الإفراد بالعبودية لله وحده دون سواه والاعتراف بالخلق والسلطان له سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الشريك. ويتمثل ذلك في التصور والإدراك البشري من تلقي الإنسان لحقائق العقيدة من مصدرها الرباني الذي يتكيف به الإنسان في إدراكه لحقيقة ربه ولجلاله ولحقيقة الكون الذي يعيش فيه ، ولحقيقة الحياة التي يعيشها ، ولحقيقة الإنسان نفسه ، ومن ثم تصبح عقيدة (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها ، فأركان الإسلام من مقتضياتها ، صلاة ، وزكاة ، وصيام ، وحج ، وحدود ، وتعازير ، وحلال وحرام ، وسلوك وأخلاق ، والاعتراف بالعقيدة لله رب العالمين يقتضي الطاعة لله وحده والتسليم لحكمه دون سواه : (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ {163}.

هذه العقيدة القائمة على التوحيد لها معطيات كانت وراء ما حققته الحضارة الإسلامية من سمو وإعجاز أدهش العالم وأثار تساؤلات علمائه عن هذه المعطيات ومن هذه المعطيات.

1- السمو الإنساني :

إذ أعطت هذه العقيدة لحامليها ومعتنقيها الطهارة في أسمى معانيها وأجمل صورها، الطهارة من الشهوات ، فلا تستخذله شهوة ، ولا تطوعه غريزة شر ، بل تعطيه عقيدته قوة يستعصي بها على أي هوى أو نزوة ، فلا يضعف ، ولا يستكين لعواصف الشهوات ، وإغراءات العادة ، وقد يضعف أمام ذلك الكثير ، رغم ما أوتوا من علم وما بلغوا من حضارة (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ {23}.

وتعطيه كذلك كرامة يجالد بها عبودية الانسان للإنسان وتسلط الطواغيت على حياته ودنياه فلا يتخذ رباً إلا الله (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {64}.

كما تعطيه سمواً في التفكير فلا يكون أسيراً لرواسب ماضية ونحل متحرفة ، وقد كان هذا دأب الجاهلين قبل (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ {170}.

2- النمو الحقيقي للأشياء :

أن تبعث العقيدة الإسلامية في نفوس أصحابها التصور الحقيقي لقيم الأشياء فلا ينطلي عليها غبش الدعايات وبهرج الشبهات ، فمن يعرف ربه يعرف شيمة نفسه ويعرف قيمة إيمانه ويعلم تسخير العوالم له ، ويعلم كذلك أن الناس كلهم عبيد لله وكلهم من خيره يرزقون ، فلا تزلف لأحد إذاً ، لأن الكل مخلوق ، والكل محتاج إلى عطف الله ورضاه ، وإذا استعان صاحب العقيدة فإنما يستعين بالله ، وإذا طلب فليطلب من الله.

ويعلم كذلك أن الضر والنفع من الله ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم ذلك لابن عباس : (إذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لا ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).

3- الرجاء وطمأنينة القلب :

أن تبعث هذه العقيدة في نفوس أصحابها الرجاء في الله وطمأنينة القلب؛ إذ يربي الإيمان القلب على نفسية قائمة على الثقة بالله والرجاء فيه ، فهو في كل حال يتغلب على اليأس والقنوط والجلد والثقة حتى يأتيه نصر الله وهو مطلع عليه : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ {186}.

4- الجراءة والشجاعة في مواجهة الشدائد :

فهذه العقيدة تعطي صاحبها صفات نفسية عامرة كريمة بغير حدود من هذه الصفات الجراءة والشجاعة والبسالة النادرة ، الشجاعة في كل ميدان من ميادين الحياة ، الشجاعة في مواجهة النفس والتغلب على ثقل الحيوانية ، ولهذا ترى كثيرين من أصحاب العقائد ضربوا أروع الأمثلة في الاستقامة والقدوة بعد تاريخ طويل في الجهالة وحب العرض وأتباع الشهوات ، واستطاعوا أن يفرضوا الاستقامة وأن يعلموا الشعوب الهداية والرجولة ونبذ الانحراف ومداواة النفوس (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً {46}.

5- الإحاطة والشمول :

مما تتميز به العقيدة الإسلامية الإحاطة والشمول حيث تعترف بالكتب السماوية كلها ، حيث يأمر الإسلام الإيمان بكل كتاب أنزله الله على أحد من رسله (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {5}.‏

ومن مظاهر الإحاطة والشمول : الدعوة العامة لجميع البشر وعدم التمييز بين جنس وجنس ، ولون ولون ، وفقير وغني ، بل الكل أمام الله سواء ، والدين لهؤلاء جميعاً. والرسول صلى الله عليه وسلم بعض الناس جميعاً (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {28}.

ومن إحاطة الإسلام وشموله : بيانه لجوانب الحياة صغيرها وكبيرها ، ما صلح منها وما فسد من طعام وشراب فأحل الطيب وحرم الخبيث (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ).

وقد بين الإسلام أن الأعمال هي قوام المسلم وهي ميزان بها يصعد وبها يهوي ، وبها يسود في الأرض ، وبها يضيع من قدمه الطريق (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً {124}.

رد: أسس الحضارة الإسلامية ومقوماتها

مُساهمة من طرف عادل في الثلاثاء 10 يونيو - 4:14

ثانياً : النظام الاجتماعي

الأساس الثاني للحضارة الإسلامية هو النظام الاجتماعي المتكامل الذي جاء به الإسلام ، وصبغ به الحياة الإسلامية ، وهو نظام رباني اختاره الله للبشرية لينظموا حياتهم عليه ، ويحييهم به حياة طيبة ، ويسعدهم به في الدنيا والآخرة ، ولا تتداخل معه أهواء البشر الشاردة أو أنظارهم القاصرة وإنما هو وعي إلهي رائق ينظم حياة الناس وينسقها ، كما ينظم حركة العوالم ويهذبها ويسعد حياة البشر ويهنيها، ومن أهم أسس النظام.

1- المساواة بين البشر :

يقيم الإسلام المجتمعات الإسلامية على قاعدة مهمة مستقيمة هي المساواة التامة بين البشر ، ويقرر المساواة على إطلاقها فلا قيود ولا استثناء ، وإنما مساواة تامة بين الأفراد ومساواة تامة بين الجماعات ، ومساواة تامة بين الأجناس ، ومساواة كاملة بين الحاكمين والمحكومين لا فضل لرجل على رجل ولا لأبيض على أسود ، ولا لعربي على أعجمي ، وذلك لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).

فهذه قومية عالمية ووحدة إنسانية متكاملة تكون جماعة دولية ، تحمي فيها الامتيازات القائمة على الاختلاف في الألوان والأجناس واللغات والحدود الجغرافية، ومن المحال أن تكون حضارة إنسانية عالمية إلا بتحقيق ذلك لأنها من جانب تحافظ على فردية الفرد ، ومن جانب آخر تطهرها من كل ما قد يكون فيها من الميول المتناقضة ، والنظام الإسلامي بهذا يقطع الطريق على النظام الطبقي وما يصاحبه من نظام اجتماعي ، وقد أحدثت ، هذه المبادئ ثورة اجتماعية هائلة بدلت الأوضاع الاجتماعية فالكل أمام الله سواء ، ومن هذا المنطلق سار الناس بطاقاتهم إلى المجد لا يعترضهم جهل أو غرور أو تسلط ، ويسعى الكل يعليه عمله ويرفعه جهده أو يوبقه كسله ويقصره ضرره ، ولهذا نرى أن المجتمع الإسلامي برزت فيه طاقات جبارة ولولاه بعد الله ، ما كان لها في الحياة شأن أو ذكر.

2- العدالة المطلقة :

لقد جاء الإسلام بالعدل الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل لا تميل مع الهوى ولا تتأثر بالوأد أو البغض ولا تتبدل مجاراة للصهر أو النسب ، والغني والفقر ، والقوة والضعف (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً {58}.

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت ، وإذا حكمت عدلت ، وإذا استرحمت رحمت).

وقد ربى الإسلام الإنسان المسلم على العدالة بحيث تكون نابعة من ذاته ، لذا قال صلى الله عليه وسلم : (أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وقوله عليه السلام : (عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به).

ومن العدالة في الإسلام المساواة أمام القانون فلا يكون هناك قانون للأشراف وآخر لغيرهم أو يكون قانون للبيض وآخر للملونين ، فعندما اهتمت قريش بأمر المرأة المخزومية التي سرقت وقد اعتزم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يدها لتكرار السرقة منها، ولأن حد الله يجب أن يقام ولا يحابي أحد لجاهه فوسطوا أسامة بن زيد يشفع في ذلك لمكانته عند الرسول عليه السلام قال لائماً : (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة) ثم وقف خطيباً وقال : (ما بال قوم يشفعون في حد من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ، هذا هو العدل في الإسلام الذي حض الله وأمر به ، جل شأنه ، من ذلك قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ).

ومن العدالة في الإسلام العدالة الاجتماعية التي تراعي المواهب وتهيأ لها الفرص بغض النظر عن فقرها أو غناها ؛ ولذا برزت في الإسلام مواهب وقدرات وطاقات أذهلت الجميع ، فالمهم في الإسلام أن يفسح المجال للمواهب ، ويوضع كل في مكانه الصحيح حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبر من لم يفسح المجال لذوي المواهب مضيعاً لنعمة الله وخائناً للإنسانية ، إذ يقول عليه أفضل الصلاة والسلام : (ومن استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين).

ومن العدالة الاجتماعية إعانة الضعيف بقوله جل شأنه : ( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ {19} ، ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ {9} وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ {10}، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة).

3- الحرية :

تتجلى الحرية في المجتمع الإسلامي في أجل معانيها وأسمى مقاصدها وأروع مظاهرها ، ومن هذه الحريات :

حرية الاعتقاد :لقد قرر الإسلام حرية الاعتقاد وجعل لكل إنسان الحق في أن يعتنق من العقائد ما يشاء ، وليس لأحد أن يجبره على ترك دينه واعتناق آخر ولو كان الإسلام ، يوضح هذا قوله تعالى : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) وقوله جل شأنه : (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).

أي بدون إكراه ، ولا يخفى على كل منصف أن ما يقرره الإسلام في هذا المبدأ الذي يتجلى فيه تكريم الإنسان واحترام إراداته ومشاعره ، وترك حريته لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحميله تبعية عمله وحساب نفسه ، وهذا هو أخص خصائص التحرر الإنساني.

حرية التفكير :

كما يقرر الإسلام حرية الفكر والتفكير ويحض الناس على التأمل والبحث واستجلاء الحقائق والنظر إلى ما وراء الأشياء إلى غايتها. ولهذا نرى دعوة القرآن إلى التفكر في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم وفيما حولهم مما تقع عليه أبصارهم ، أو تسمعه آذانهم ، ليصلوا من رواء ذلك كله إلى معرفة الخالق وليستطيعوا التمييز بين الحق والباطل والهدى والضلال ، والأدلة في القرآن الكريم كثيرة التي تحث على التأمل والتدبر والتفكر ، من ذلك قوله جل شأنه (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ {20} وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ {21} ، وقوله تعالى : (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى – وفرادى – ثم تتفكروا).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صمت الملوك صمت حكيم .. وصمت العبيد صمت مهـان


فاختر ما شئت ان كنت عليم.. واقبل بالهوان ان كنت جبان

رد: أسس الحضارة الإسلامية ومقوماتها

مُساهمة من طرف عادل في الثلاثاء 10 يونيو - 4:16

حرية القول :

لقد جعل الإسلام حرية القول حقاً لكل إنسان على أن يستعمل الإنسان حرية القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {104})، كما يحتم الإسلام على المسلم أن ينطق بالحق إذا سكت الناس ويجهر به إذا توارت الأصوات وخفتت الألفاظ وكممت الأفواه ، ويبين هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطيع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).

كما نهى الإسلام المسلم عن تحقير نفسه بأسره لرأيه وكتمه لفكره ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحقرن أحدكم نفسه) قالوا : يا رسول الله وكيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال (يرى أن لله عليه فعالاً ثم لا يقول فيه : فيقول الله عز وجل يوم القيامة :(ما منعك أن تقول فيّ كذا وكذا ؟) فيقول :(خشية الناس) فيقول : (فإياي كنت أحق أن تخشى).

فهاهي شرائع الإسلام تحض على إبداء رأيه وإظهار فكره ولا يخشى في قول الحق لومة لائم.

هذا وقد وضع الإسلام ضوابط للحرية حتى لا تخرج عن إطار القيم والفضائل والأخلاق وحقوق الآخرين والصالح العام ، فالإنسان حر في أن يمارس حريته بشرط أن يكون سيد نفسه فلا تستبد به آراؤه أو تستعبد شهواته ، وهو حر أيضاً في أن يمارس حريته على ألا تتعارض هذه الحرية مع الصالح العام أي لا تعارض حرية الفرد مع حق المجتمع كله ، فالإنسان حر ولكنه في الوقت ذاته مسؤول عن خير المجتمع والصالح العام.

وعلى هذا ترتكز الحرية الإسلامية على قاعدتين أساسيتين هما : شخصيته فلا يخضع الفرد لأهوائه ولا يكون عبداً لشهواته ، والقاعدة الثانية : اجتماعية : وهي تقوم على مراعاة حقوق ومصالح المجتمع.

وهكذا نجد أن الإسلام في تصوره للحرية فاق جميع المذاهب والأديان والفلسفات فلم يطلقها كالوجودية الملحدة والشيوعية ، ولم يكبتها وإنما أطلقها في حدود لا تتعارض مع خير الفرد والمجتمع ، وكان من ثمار هذه الحرية اعتقاداً وفكراً وقولاً الإنجازات العلمية الكبرى في جميع ميادين المعرفة التي تحققت على أيدي المسلمين منذ بزوغ فجر الإسلام.

4- الأخوة :

أن يقوم المجتمع الإسلامي على أساس متين من الأخوة الإنسانية المتمثلة في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً {1}.

وكذلك من الأخوة الإيمانية المتمثلة في قوله جل شأنه : (إنما المؤمنون إخوة)، ولقد ـقام الإسلام الأخوة على أساس التعاون والالتفاف حول راية القرآن (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) ، (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً {59}.

5- الأخلاق والفضائل :

إن الأخلاق في التصور الإسلامي هي أصل الحياة الإسلامية وشعبها التي تكون صرح المجتمع الإسلامي.

يقول جل شأنه : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ، وقال جل شأنه :(غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ {159}.


ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً) ، وقد جعل حسن الخلق أكثر مما يدخل الجنة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ ، قال : (تقوى الله وحسن الخلق) ، وحَسَن الخلق يكون من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم قرباً منه يوم القيامة ، فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن من أحبّكم إلى الله وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ، وإن من أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون ، قالوا : يا رسول الله ، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفهيقون ، قال المتكبرون).

وهكذا نجد أن الحضارة الإسلامية وصلت إلى ما وصلت إليه من إعجاز فاق جميع الحضارات لأنها قامت على أسس متينة إذ نظر الإسلام إلى الإنسان نظرتين :

- نظرة تكريم أعطاه فيها كل ما حفظ به كرامته ، حفظه من كل ظلم وبغي وعنت ، وتولى رزقه وعطاء توجيهه وإرشاده ، وأطلق حريته واحترم إرادته وأجاب دعوته.

- نظرة تقييم : إن نظر إليه بمعيار خلقه ونفعه وعطائه وإيمانه.

أما المجتمعات فقد نظر إليها

بمنظار ما فيها من قيم ، من مساواة وعدالة وحرية وأخوة واتحاد وتعاون وفضائل ، فإذا كملت هذه الأوصاف ووجدت هذه النماذج كان الإنسان متحضراً وكان المجتمع كذلك ، وإذا فقدت كان المجتمع غير متحضر وكان الإنسان فيه غير حضاري وإن رفل في النعيم ووصل إلى الفضاء لأن الإسلام يبحث عن حضارة الإنسان ورقيه ، لا عن زخرفة البناء وعلوه ، يبحث أولاً سعادة المكرم لا زخرفة المسخر ، لأنه منطقي في نظرته ، واقعي في حكمه.

فالحضارة التي تقوم على هذه الأسس هي بلا ريب سيدة الحضارات.

بقلم : د. سهيلة العابدين
مجلة المنار ، العدد 82 ، جمادى الأولى 1425هـ.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صمت الملوك صمت حكيم .. وصمت العبيد صمت مهـان


فاختر ما شئت ان كنت عليم.. واقبل بالهوان ان كنت جبان
avatar
طائر الليل الحزين
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 404
رقم العضوية : 34
تاريخ التسجيل : 03/07/2008
نقاط التميز : 711
معدل تقييم الاداء : 46

رد: أسس الحضارة الإسلامية ومقوماتها

مُساهمة من طرف طائر الليل الحزين في الثلاثاء 8 يوليو - 11:23

مش عارف اقول اية انا حاسس اني جاهل ولا اعرف اي حاجة
هو انا اللي جاهل ولا انتم اللي متعلمين زيادة عن اللزوم
avatar
احمد غنيم
عضو مجتهد
عضو  مجتهد

عدد المساهمات : 211
رقم العضوية : 35
تاريخ التسجيل : 05/07/2008
نقاط التميز : 217
معدل تقييم الاداء : 6

رد: أسس الحضارة الإسلامية ومقوماتها

مُساهمة من طرف احمد غنيم في الإثنين 25 أغسطس - 12:37

مقال اكثر من رائع
وللطائر الحزين اقول
لا انت بالجاهل ولا هم بالمتعلمين زيادة عن اللزوم
المسالة ببساطة انك لم تكن تعير لمثل هذة الامور اهتماما من قبل ربما لصغر سنك
ولكن لما اهتممت بها اسسحت انك داخل في عالم جديد عليك
ثم ان مواضيعك تدل علي منتهي الذكاء والالمعية
وفي رايي الشخصي انك تكاد تكون الموهوب الوحيد في المنتدي
كتباتك تدل علي ذالك
واسف للاطالة وللخروج عن الموضوع
انما امر طائر يهمني

رد: أسس الحضارة الإسلامية ومقوماتها

مُساهمة من طرف عادل في الإثنين 20 أبريل - 14:41

طائر الليل الحزين كتب:مش عارف اقول اية انا حاسس اني جاهل ولا اعرف اي حاجة
هو انا اللي جاهل ولا انتم اللي متعلمين زيادة عن اللزوم
شوف كلام عمك احمد بيقول اية
ربنا ينجحك


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صمت الملوك صمت حكيم .. وصمت العبيد صمت مهـان


فاختر ما شئت ان كنت عليم.. واقبل بالهوان ان كنت جبان

    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 19 نوفمبر - 6:40