معا لغد افضل

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
معا لغد افضل

2 مشترك

    عبدالرحمن الجبرتي

    avatar
    مجرد انسان
    عضو مجتهد
    عضو  مجتهد


    عدد المساهمات : 291
    رقم العضوية : 114
    تاريخ التسجيل : 30/09/2008
    نقاط التميز : 523
    معدل تقييم الاداء : 21

    عبدالرحمن الجبرتي Empty عبدالرحمن الجبرتي

    مُساهمة من طرف مجرد انسان الخميس 22 أكتوبر - 12:11

    عبدالرحمن الجبرتي
    مؤرخ كبير عاصر الحملة الفرنسية على مصر، ووصف تلك الفترة بالتفصيل في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، حيث يُعد مرجعاً أساسياً لتلك الفترة الهامة، كما اتسم بالوعي القومي والموضوعية في تتبعه لتلك الفترة الهامة من تاريخ مصر والوطن العربي.

    وُلد عبدالرحمن بن حسن برهان الدين الجبرتي بالقاهرة سنة 1756، وقد جاءت أسرته من قرية جبرت قرب ميناء زيلع على البحر الأحمر وهى منطقة كانت تابعة لنجاشي الحبشة وعرفت بالتقوى البالغة لسكانها، وفى نهاية القرن السادس عشر الميلادي هاجر جده السابع ليصبح شيخاً لرواق الجبرتية بالأزهر الشريف، وهو منصب كان ينتقل في ذلك الوقت من الأب إلى الابن، ولقد كان معلم عبدالرحمن الجبرتي الأول هو والده حسن الدين برهان الذي كان مرجعه الأول في تعلم الحساب والفلك وعلم الفلك والتقويم وغيرهم من العلوم.

    عاصر عبدالرحمن الجبرتي فترة انحلال النظام العثماني ومحاولات المماليك التمرد على النظام العثماني، وكذلك عاصر مجيء الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت سنة 1798، كما عاصر تولي محمد على باشا حكم مصر لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ مصر لعل أهمها التغييرات العديدة التي حدثت في البناء الاقتصادي والاجتماعي لمصر، حيث اخذ على عاتقه تدوين العصور المهمة في نقاط التحول في تاريخ مصر الحديث.

    تكمن قيمة الجبرتي في كونه شديد الملاحظة لكل الأحداث التي حدثت في مصر إبان فترة المماليك والعثمانيين، وأيضا سنوات الحملة الفرنسية والقي الأضواء على أحرج فترة في تاريخ مصر والتي فيها تأسست قواعد كثيرة من الفكر المصري وأوجه متعددة من الشخصية المصرية.

    كان الجبرتي شاهداً على عصور الظلم والاضطهاد التي مورست من المماليك والعثمانيين والقادة الفرنسيين فكان مدافعاً عن حقوق الإنسان والحريات الجوهرية ومن هنا تتضح الخلافات بينه وبين محمد على باشا.. ففي الوقت الذي كان محمد على مهتماً بفكرة تأسيس دولة عصرية وقوية بالإضافة إلى المشروعات العملاقة إلا أنه كان لا يبالى بالمصريين الذين يقومون بتنفيذ تلك المشروعات كبشر فلجأ إلى استخدام مبدأ الأشغال الشاقة لإجبار المصريين على العمل تحت الظروف القاسية، فيما كان الجبرتي يؤمن بغياب العدالة في الدولة التي فقدت صوابها وان المشروعات لا قيمة لها لو ضاعت إنسانية البشر ولهذا اهتم الجبرتي ببعض المشروعات العظيمة التي عاصرها.

    لم يكن الجبرتي من نوعية المؤرخين الذين يحرصون على إرضاء الوالي لكنه كان من مدوني الأحداث بدقة وبأمانه دون أن يخاف القائد. بالتالي، وعقب وفاته أمر محمد على بان يتم حرق مكتبته وأمهات كتبه ومؤلفاته.

    ليس بالقليل أن نذكر أيضا أن الجبرتي قام بعمل سجلات دقيقة للوقت والصلوات ورؤية هلال شهري رمضان وشوال بحكم خبرته الفلكية التي اكتسبها من والده. كما كانت لأعماله الدور الفعال في إعطاء معلومات دقيقة عن تاريخنا الحديث وأرست الوسائل التاريخية التي اتبعها المؤرخون التابعون فيما بعد.

    ترك عبدالرحمن الجبرتي لنا مؤلفين هامين الأول هو "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، وهو مؤلف من أربع مجلدات تمتد من عام 1688 وحتى عام 1821، أرخ فيه لتاريخ مصر العام والخاص في ذلك الوقت، أما المؤلف الثاني فهو "مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس" ويغطي فترة الاحتلال الفرنسي لمصر من عام 1798 وحتى عام 1800 .

    نظرة النقاد للجبرتي:

    ذكره المؤرخون الغربيون بأنه "هيرودوت مصر" لان كتاباته كانت المرجع الرئيسي لتاريخ القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. قال أيضا الصحفي نيومان عاشور أن الجبرتي أرخ الحياة اليومية الحقيقية في مصر، وإن الأحداث التي قام بتغطيتها تحتاج إلى 4 ـ 5 صحف يومية حتى يتم نشرها في نفس الوقت.

    ويقول عنه الكاتب جمال بدوى: انه يجسد مبدأ العدل في الإسلام في اشرف شكل له وأيضاً تاريخ الأمم.

    قال عنه الكاتب والصحفي شكري القاضي: أن الجبرتي كان حي الضمير، ومتفتح العقل ومؤرخاً مضطهداً وكان أسلوبه يجمع بين وضوح الدقة وسلاسة التعبير والإدراكية الحسية.

    في عام 1973 كرمته الدولة عندما أصدرت طوابع للبريد تحمل اسمه وصورة له أثناء الاحتفال بثورة 23 يوليو.

    في عام 1980 نُشر عنه كتاب في فرنسا باسم "يوميات الجبرتي في مصر أثناء الحملة الفرنسية".

    توفى شيخ المؤرخين عبدالرحمن الجبرتي في 18 يونيو 1825.
    avatar
    صلاح محمود
    عضو مشارك
    عضو مشارك


    عدد المساهمات : 60
    تاريخ التسجيل : 23/05/2009
    نقاط التميز : 103
    معدل تقييم الاداء : 7

    عبدالرحمن الجبرتي Empty رد: عبدالرحمن الجبرتي

    مُساهمة من طرف صلاح محمود الأربعاء 11 نوفمبر - 23:00

    شكرا اخي مجرد انسان علي هذة المعلومات
    واسمح لي ان اضيف بعضها لمن اراد الاستزادة عن هذا العالم الجليل
    avatar
    صلاح محمود
    عضو مشارك
    عضو مشارك


    عدد المساهمات : 60
    تاريخ التسجيل : 23/05/2009
    نقاط التميز : 103
    معدل تقييم الاداء : 7

    عبدالرحمن الجبرتي Empty رد: عبدالرحمن الجبرتي

    مُساهمة من طرف صلاح محمود الأربعاء 11 نوفمبر - 23:01

    عبد الرحمن الجبرتي

    في تاريخه الكبير

    عجائب الآثار في التراجم والأخبار

    بقلم: عودة أبو عودة

    --------------------------------------------------------------------------------

    يعدّ المؤرخون كتاب »عجائب الآثار في التراجم والأخبار«، لعبد الرحمن الجبرتي، واحداً من المصادر الأساسية لدراسة التاريخ الإسلامي في سيرته الطويلة وهو ثالث ثلاثة كتب في التاريخ الإسلامي وقفت كالقمم الراسخة العالية في سلسلة كتابات تاريخية كثيرة تخللتها عبر العصور. وأول تلك القمم الثلاث كان كتاب »تاريخ الأمم والملوك« لابن جرير الطبري الذي تحدث عن أخبار الدول وملوكها وأحداث الزمان منذ فجر التاريخ حتى بداية القرن الرابع الهجري حيث توفي هذا المؤرخ العظيم والمحدث الكبير في 26 شوال سنة 310 هـ، والقمة الثانية من تلكم القمم كان كتاب »الكامل في التاريخ« لأبي الحسن عز الدين علي بن محمد بن الأثير الجزري، وقد ظل هذا الكتاب المصدر الأساسي للمؤرخين منذ القرن الرابع الهجري حتى يومنا هذا، ذلك لأنه يمتاز عن تاريخ الجبرتي الذي سنواصل الحديث عنه في هذا البحث في أنه كان تاريخاً شاملاً للدولة الإسلامية في شتى أقطارها، على حين اقتصر تاريخ الجبرتي على تاريخ مصر وحدها في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين.

    وقد توفي ابن الأثير المؤرخ في سنة 630 هـ، أي في نهاية الثلث الأول من القرن السابع الهجري،ولكن كتابه لا يزال حياً، يحمل إلى الدنيا كلها أخبار العالم الإسلامي وأحداثه وملوكه وأمرائه إلى اليوم.

    أما القمة الثالثة فهي كتاب عبد الرحمن الجبرتي الكبير »عجائب الآثار في التراجم والأخبار«.

    ويستمد هذا الكتاب أهميته في أنه أرّخ لفترة شهدت أحداثاً ضخمة في قطر كبير من أقطار العالم الإسلامي. فقد شهدت هذه الفترة انحلال النظام العثماني المملوكي الذي قام في مصر منذ فتحها السلطان سليم الأول عام 1517م. ثم شهدت حكم الفرنسيين لها نحو ثلاث سنوات (1798-1801م)، ثم شهدت محاولة النظام العثماني العودة إلى مصر من جديد، ثم الإجهاز عليه تماماً على يد محمد علي، وكان هذا الإجهاز تمهيداً لبناء النظام الجديد[1]. وقارئ التاريخ اليوم لا يجد كتاباً يتحدث عن هذه الفترة المضطربة غير كتاب الجبرتي. ويعدّ الجبرتي في هذه الفترة الحافلة بالأحداث شاهد عيان، يرى ويسمع فيحلل ويكتب. فقد عاش الجبرتي بين عامي 1754-1825 وعامي 1176-1240 هـ. فشهد بذلك النصف الثاني من القرن الثامن عشر والربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. وفي هذه الفترة كانت مصر على مفترق الطرق في اتجاهها السياسي. ويزيد من أهمية الكتاب أنه لم يكن كتاب تاريخ فحسب، بل كان كتاباً في تراجم الرجال أيضاً. فقد ترجم الجبرتي للآلاف من العلماء والشيوخ والأمراء والحكام والخطباء والشعراء والكتاب والأعيان والتجار، بل إن كتابه يشمل أخباراً طريفة كذلك عن أبناء الطبقات الدنيا من المجتمع المصري، حيث يورد أسماء كثيرين من الباعة وأهل البدع وبعض أصحاب الطرق والمجذوبين وغيرهم ممن يكثرون أيام الاحتفالات الدينية والمواسم. ويمكن القول: إن الجبرتي يقدم صورة كاملة للمجتمع المصري خلال العصر العثماني.

    عبد الرحمن الجبرتي.. سيرة وحياة وكتاب..

    يذكر المؤرخون أن الجبرتي حبشي الأصل، نزح أسلافه من جبرت –إحدى مدن الزيلع الإسلامي في بلاد الحبشة- إلى مصر وتعاقبت أجيالهم فيها[2]. ولكن الدكتور محمد محمود الصياد ذكر أن »صحة الاسم هو: (جَبْرَه) بفتح الجيم والباء الموحدة والراء المهملة ثم هاء في الآخر، هكذا رواه القلقشندي نقلاً عن صاحب تقويم البلدان«[3].

    ومهما يكن من أمر فإن نسبة الجبرتي ذاعت وانتشرت، وقد عرف بها عدد من الرجال كان منهم العلامة الشيخ حسن بن إبراهيم بن الشيخ حسن بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الجبرتي الحنفي والد مؤرخنا الشيخ عبد الرحمن الجبرتي.

    ويذكر المؤرخون أن الشيخ حسن –والد المؤرخ- كان من أعلام علماء الأزهر الشريف، درس على الشيخ حسن بن الشيخ حسن الشرنبلاني حتى أجازه، وتصدر للتدريس في الأزهر، وفي مدرسة السنانية ببولاق بجامع سنان باشا، وكان الشيخ حسن الجبرتي على جانب كبير من الثراء، وكان له بيوت ثلاثة، أحدها بالصنادقية والثاني على النيل ببولاق والثالث بمصر العتيقة. وكانت مكتبته عامرة بالكتب القيمة والمخطوطات النادرة، آهلة في كل وقت بالعلماء والمجاورين[4].

    في هذا البيت العامر بالعلم والدين والأدب ولِد الشيخ عبد الرحمن الجبرتي في عام 1167 هـ أي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري الموافق لعام 1754م أي في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. وهو الابن الوحيد الذي عاش للشيخ حسن الجبرتي من أبنائه الذكور، فاهتمّ به أشد الاهتمام، ورعاه أحسن الرعاية خاصة بعد أن لمس فيه مخايل النجابة والذكاء ودقة الفهم. فقد حفظ القرآن الكريم وهو في الحادية عشرة من عمره، وكان يحفظ كثيراً من الأحاديث والروايات والأخبار التي يقصها والده على المشايخ الناشئين والمهاجرين الذين كانوا دائمي الترداد على منزله بالصنادقية. ولهذا صار والده يخصه بأحداث العصر وأخبار الولاة والعلماء الذين عرفوه وعرفهم.

    ولما توفي والده ترك له أموالاً طائلة وصداقات عديدة أكثرها من المشايخ والمريدين والأمراء والحكام؛ وواصل عبد الرحمن دراسته إلى أن تخرج في الأزهر بعد أن درس علوماً شتى في الفقه واللغة. ثم عكف على خزانة والده يستزيد من علوم الفلك والحساب والهندسة وغير ذلك. وصار الشيخ عبد الرحمن يعقد حلقات التدريس وفق ما جرت به عادة المتفوقين البارزين من علماء الأزهر. وهنا في هذه الحقبة خَبرَ الشيخ عبد الرحمن الجبرتي أخبار العلماء وأخلاقهم، وكان غير راض عن أعمال زملائه في الأزهر. ولعل عدم الرضى هذا هو المسؤول فيما بعد عن عادة النقد والتفكير الجاد والتحليل الذي عرف به الجبرتي عند كتاباته لتراجم الرجال. فقد أخذ على هؤلاء العلماء افتتناهم بالدنيا وعدم إخلاصهم للعلم وحرصهم على جمع الأموال، واستخدامهم لكثير من الخدم والمقدمين والأعوان، ومخاصماتهم الكثيرة بعضهم مع بعضهم. ومن هنا تولدت عند الجبرتي جذور الإدراك الواسع والفهم الدقيق لأخلاق الرجال، وطبيعة المشكلات التي يمر بها.

    وفي الحادية والعشرين من عمره بعد أن توفي والده أخذ الجبرتي يتنقل في أنحاء مصر ليعرف مواقعها، ويتصل بعلمائها وعظمائها وليعرف ألوان الحياة في القرى، وما يعانيه الفلاح من شظف العيش. وقد كان هو بطبيعته ميالاً للشهرة محباً للرحلة، وقد ساعده على ذلك ثراؤه الواسع، ورغبته في المعرفة والاطلاع. وقد كان هذا أحد الأسباب البارزة التي مكنته من تأليف كتابه الكبير فيما بعد، إذ لا شك أن الجبرتي قد أحاط بكثير من أخبار البلاد، وأخلاق العباد، مما جعله صادق الأحكام دقيقاً في تحليل الأمور مستوعباً لكل صغيرة وكبرة من حياة الشعب المصري في الفترة التي تحدث عنها.

    ولا شك أن الجبرتي قد استغرق في هذا العمل ليله ونهاره، وطفق يبحث عن مصادره ومراجعه، وبدأ يدون الأسماء، »وكان من الطبيعي أن يبدأ بالمشايخ ، ومن كان منهم شيخاً للأزهر، ثم أشياخ الأروقة وأرباب الحلقات. ومن كان أبوه يطلق عليهم الطبقة العليا، ثم الطبقة التي تليها ممن اشتهروا بالعلوم الفقهية والعقلية والنقلية والشعر والأدب والخطابة وغير ذلك. كما شرع يدوّن أسماء أمراء الوجاقات والصناجق ومن بلغ منهم مشيخة البلد ومن شاركه في الحكم« [5].

    طلبه العون..
    وقد استعان الجبرتي في علمه هذا بكل من اعتقد أن عندهم عوناً. ومن هؤلاء صديقه إسماعيل الخشاب الذي التحق شاهداً بالمحكمة، وكان من العدول المشهورين بالعلم والأدب..

    لا شك أن الجبرتي بعد ذلك قد أعد الدفاتر واطمأن باله، فقد كان يشكو من استبهام المئة الماضية عليه حتى السنة السبعين، أي من عام 1070 هـ حتى 1170 هـ، لأن هذه السنوات سابقة على حياته، فهو قد ولِد سنة 1167 هـ، كما سبق القول، ولذلك حرص على أن يدون الأسماء من الدواوين الرسمية والأوراق الثبوتية المعتمدة، أمابعد ذلك فهو عليه هيّن. يقول: »إنها تستبهم عليّ (المئة الماضية إلى السنة السبعين) وأما ما بعدها فأمور شاهدتُها، وأناس عرفتهم، على أني سوف أطوف بالقرافات (المقابر) وأقرأ المنقوش على القبور، وأحاول جهدي أن أتصل بأقرباء الذين ماتوا، فأطلع على إجازات الأشياخ عند ورثتهم، وأراجع أوراقهم إن كانت لهم أوراق، وأسأل المعمرين ماذا يعرفون عمن عايشوهم، ولا أرى بعد ذلك مرجعاً أعتمده غير ما طلبتُ منك (أي من الخشاب)« [6].

    ويبدو حرص الجبرتي على الحقيقة، مع مايحس به من الضعف البشري الذي هو من طبيعةالإنسان في قوله: »فلا أكتب حادثة حتى أتحقق صحتها بالتواتر والاشتهار، وربما أخَّرْتُ قيد الحادثة حتى أثبتها ويحدث غيرها وأنساها، فأكتبها في طيّارة حتى أقيدها في محلها إن شاء الله تعالى، عند تهذيب هذه الكتابة، وكل ذلك من تشويش البال، وتكدر الحال، وهمّ العيال، وكثرة الأشغال وضعف البدن، وضيق العطن« [7].

    ظل الجبرتي منهمكاً في جمع أخباره وتقييدها في دفاتره وكراساته وأوراقه حتى فاجأته وفاجأت المصريين جميعهم الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م. كان الجبرتي في الرابعة والأربعين من عمره. كان في عنفوان شبابه واكتمال ذاكرته ورجاجة عقله، ولذلك فهو لم ينقطع خلال فترة بقاء الفرنسيين في مصر عن تسجيل أعمالهم، ورصد حركاتهم، والتعليق على أقوالهم وأفعالهم، وكان أكثر العلماء الأزهريين دقة في تدوين ملاحظاته على نظام الحياة في مجتمع الجنود الفرنسيين وطرائقهم في تنظيم حياتهم.

    وقد انقسمت ملاحظات الجبرتي تلك إلى قسمين:

    ملاحظات سياسية تتعلق بنظم الحكم ومنشورات الفرنسيين وتحليل أقوالهم ورصد أهدافهم. وفي هذا القسم لم يكن الجبرتي ملمّاً بالحياة الفرنسية وبالعالم الخارجي، فلم يستطع تحليل الأحداث تحليلاً عميقاً مثل ما فعل في القسم الثاني من ملاحظاته وهي الملاحظات الاجتماعية. ففي هذا القسم يتحدث الجبرتي عن مشاهداته الشخصية وتجاربه العملية، وهو من عَلِمْنا دقة ملاحظة وحضور بديهة. وقد تفاوتت مواقفه من الحياة الاجتماعية والثقافية للفرنسيين فأحياناً كنتَ تراه معجباً ببعض مظاهر السلوك ولا سيما ما يتعلق بالمعرفة وحب العلم وإجراء التجارب واستخدام الأجهزة والأدوات. وأحياناً كنتَ تراه ساخطاً بَرماً خاصة فيما يتعلق بتصرفات النساء وخروجهن للعمل سافرات على غير المعهود في المجتمعات الإسلامية.

    موقفه من الفرنسيين..

    وقال إن الجبرتي كان يتردد على بعض المنشآت الفرنسية في مصر، وكان يلتقي ببعض رجالهم، بل إن كان عضواً في الديوان الوطني الذي أنشأه الجنرال »مينو«.

    وقد تعرّض الجبرتي إلى النقد في موقفه من الفرنسيين من بني قومه ومن الفرنسيين أنفسهم، فقد اتهمه المصريون بالتعاون مع الفرنسيين والولاء لهم، كما اتهمه الفرنسيون بالتعصب ضد مظاهر الحضارة الحديثة.

    ومهما يكن من أمر فقد انزاح عن كاهل مصر همّ الفرنسيين في عام 1801م، فعمّ الفرج البلاد، وعاد العثمانيون إلى حكم مصر، وشارك الجبرتي بني وطنه في أفراحهم فوضع كتاباً سماه »مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس« أهداه إلى الوزير العثماني يوسف باشا، وفي هذا الكتاب برأ الجبرتي نفسه وأعلن ولاءه للدولة العثمانية، وأفاض في سرد أحداث الحملة الفرنسية.

    لقد نال هذا الكتاب ثناءً كبيراً في أوساط الشعب ومن الحكام الأتراك. فقد حمله الوزير العثماني إلى الآستانة وعرضه على السلطان سليم الثالث الذي أمر كبير أطبائه مصطفى بهجت بنقله إلى اللغة التركية فتمّ ذلك في عام 1807م[8].

    وقد حفز هذا الثناء الذي قوبل به الكتاب الجبرتي على أن يجمع أوراقه وكراساته السابقة، وأن يجمع تاريخ مصر الذي انشغل به منذ خمسة عشر عاماً. ولذا فقد عقد العزم على كتابةتاريخ مصر جاعلاً كتابه »مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس« أحد فصوله. وهكذا شرع الجبرتي بكتابة تمهيد تحدث فيه »عن التاريخ وفائدته، ثم أتبعه بمقدمة ضافية تفلسف فيها في تقسيم الناس. ثم بسط النصيحة للحكام بمراعاة العدل وحسن السياسة. ثم ألمّ إلمامة سريعة بتاريخ مصر حتى الفتح العثماني، وتدرّج منه إلى أواخر المئة الحادية عشرة. وإن يكن تاريخه يبدأ بالفعل بعام 1100 هـ، بحكم أن نهاية المقدمة ليست بأي حال من الأحوال عرضاً منتظماً للأحداث، بل إنها لا تحتوي على أية مادة تاريخية إلا في القليل النادر. وبعد المقدمة شرع يتابع السنين واحدة فواحدة يبسط حوادثها ثم يترجم لمن ماتوا فيها. ولما وصل إلى الحملة الفرنسية اكتفى بإثبات كتابه »مظهر التقديس« برمته بعد أن حذف مقدمته وبعض فصوله. وعاد إلى أمانته التاريخية وقوّم بعض الحوادث وصححها، ثم والى تنسيق الأحداث على النمط الذي اختطه لنفسه فقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء. وسار بالجزء الأول حتى آخر 1189هـ، وبالثاني حتى آخر 1212 هـ، وبالثالث حتى آخر عام 1220هـ وأسماه »عجائب الآثار في التراجم والأخبار« وقد انتهى الجبرتي من تدوين هذه الأجزاء الثلاثة في عام 1221 هـ (1806م)[9].

    وقد دفع الجبرتي إلى الانشغال بكتابة تاريخه أن وقف موقف المعارضة لحكم محمد علي منذ بداية حكمه. وظل سنوات يترقب ما ستؤول إليه الأحداث في عهد هذا الرجل وكان خلال ذلك يرصد كل شيء، ويدوّن الحوادث بالطريقة التي سبق شرحها، ويسند كل ما يقول إلى مصدر ثقة أو شاهد عيان أو شاهد سماع. وكان يحرص أن يعاين الأحداث العامة بنفسه، والحق أن قارئ هذا الكتاب الكبير يطّلع على كل ما يريده من حياة شعب مصر في تلك الفترة. لقد تعرّض الجبرتي لكل شيء.. تعرض لذكر الأحوال الاقتصادية من زراعة وتجارة وفلاحة، وإلى أنواع النقود المتداولة وإلى الأسعار وأنواع المقايضات. وتعرض إلى الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من أحوال شخصية وعادات أسرية وقيم سائدة.. وتعرض إلى الحياة الدينية والحياة والثقافية وأخبار الأدباء والعلماء والشيوخ. وظل الجبرتي جاداً في علمه حتى كان عام 1237 هـ حيث قُتِل ابنه خليل. وقد كثرت الأحاديث حول قتل هذا الابن، ولكن أكثرها تشير إلى أن سبب ذلك هو موقفه المعارض من حكم محمد علي وثورته.

    ولكن عبد الرحمن الجبرتي هدّته هذه الحادثة الفاجعة، فلم يجد القدرة على استكمال تاريخه. وظل يبكي ابنه حتى فقد بصره. ويذكرنا هذا الموقف بموقف سيدنا يعقوب عليه السلام عندما ظل يبكي ولده يوسف عليه السلام حتى فقد بصره.

    وفاته..

    وقبع هذا المؤرخ العظيم في بيته بعد تلك الحادثة لا يقرأ ولا يكتب إلى أن أدركته الوفاة عام 1240 هـ بعد مقتل ولده بثلاث سنوات.

    وهكذا كانت حياة هذا المؤرخ الكبير، الذي عاش حياته وراء المعرفة، مدوّناً لكل ما وقعت عليه عيناه، وسمعت به أذناه من أحداث وأخبار، حتى استطاع أن يسطر لنا تاريخ مصر في أكثر فتراتها تقلباً واضطراباً في كتابه الخالد »عجائب الآثار في التراجم والأخبار«.


    --------------------------------------------------------------------------------

    مجلة الأمة، العدد 45، رمضان 1404 هـ


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] عبد الرحمن الجبرتي، دراسات وبحوث، بإشراف الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، الهيئة العامة للكتاب 1976 م ص 20.

    [2] عجائب الآثار في التراجم والأخبار، عبد الرحمن الجبرتي، تحقيق وشرح حسن محمد جوهر وآخرين، لجنة البيان العربي، الطبعة الأولى، 1958م، الجزء الأول، ص 4.

    [3] عبد الرحمن الجبرتي: دراسات وبحوث، ص 586.

    [4] عجائب الآثار، عبد الرحمن الجبرتي، ج1، ص 4.

    [5] تراث الإنسانية، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ا لقاهرة، المجلد الرابع، ص 555.

    [6] المرجع السابق، ص 7

    [7] ثراث الإنسانية، المجلد الرابع، ص 555.

    [8] ثراث الإنسانية، المجلد الرابع، ص 556

    [9] ثراث الإنسانية، المجلد الرابع، ص 556-557.
    avatar
    مجرد انسان
    عضو مجتهد
    عضو  مجتهد


    عدد المساهمات : 291
    رقم العضوية : 114
    تاريخ التسجيل : 30/09/2008
    نقاط التميز : 523
    معدل تقييم الاداء : 21

    عبدالرحمن الجبرتي Empty رد: عبدالرحمن الجبرتي

    مُساهمة من طرف مجرد انسان الإثنين 23 نوفمبر - 10:18

    اضافة ممتازة يا صلاح شكرا ليك واهلا بيك في المنتدي

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 21 يونيو - 10:40