معا لغد افضل

مدخل إلى البوذيّة

شاطر

يحيي
عضو مجتهد
عضو  مجتهد

عدد المساهمات : 254
رقم العضوية : 183
تاريخ التسجيل : 26/11/2008
نقاط التميز : 493
معدل تقييم الاداء : 39

مدخل إلى البوذيّة

مُساهمة من طرف يحيي في الأحد 15 فبراير - 3:12

البوذيّة تيّار دينيّ يرتكز على حدس بوذا الروحاني. وقد كان في بادئ الأمر يعتبر أنّ طريق الخلاص لا يستطيع سلوكها إلاّ قلّة من الناس، لا سيّما من بين الرهبان المنقطعين للاستغراق في التأمّل. ولكنّه مع مرور الزمان تطوّر إلى دين له تعاليمه ومؤسّساته، وإلى مجموعة من الطرائق المختلفة تسعى كلّ واحدة منها إلى تمكين الراغبين من البلوغ إلى الخلاص، وفي النهاية من تخطّي الوجود البشري بكليّته.

أوّلاً: بوذا (حوالى 560 – 480 قبل المسيح)
ما نعرفه عن بوذا يعود إلى الشهادات الدقيقة التي تركها لنا أتباعه الأوّلون، وإن امتزجت فيها مع مرّ الأيّام الوقائع الحقيقيّة بالتصوّرات الخياليّة النابعة من جموح التقوى. وأهمّ ما لدينا من المصادر هي مجموعة الأسفار المؤلّفة باللغة البالي (Pali)، أيّ مجموعة النظام الرهباني، ومجموعة الخطب التعليميّة، ومجموعة التعليم الراقي.

لقد كانت الطريق التي سلطها بوذا للوصول إلى الحكمة الكاملة، إلى ما تسمّيه الكتب البوذيّة "اليقظة"، طويلة شاقّة. فإنّه كان في بدء المرحلة الأولى من حياته أميرًا اسمه سيدهارتا غوتاما، وُلد في شمالي الهند نحو سنة 560 قبل المسيح، ونَعِمَ بحياة هانئة خالية من المتاعب، بعيدة عن أنواع الألم والعذاب، في قصر والده. ولكنّه عندما بلغ التاسعة والعشرين من عمره، على ما تروي القصص المنقولة، أرغمه اختبار مظاهر الهَرَم والمرض والموت على التفكّر في وضعه، وحمله على كره الحياة التي كان ينعم بها حتّى ذلك الحين. ثمّ كان له لقاء مع ناسك متجوّل، فقير خارجيًّا، سعيد في قلبه، فأقنعه ذلك بأنّه من الممكن سلوك طريق يؤدّي إلى التغلّب على شقاء الحياة وأنواع بؤسها. فغادر منـزله وعائلته، وتفرّغ لحياة ناسك متجوّل. وعندما خَبَر أنّ نظريّات المعلّمين وممارسات التنسّك الشديد لم تجلب له السلام الداخلي المنشود، ترك كلّ شيء واتّجه نحو جنوبي الهند حتّى بلغ إلى شجرة تين، فجلس عند جذعها واستغرق في التأمّل. وما زال على ذلك في عزلة تامّة وتركيز عميق لطاقات ذهنه، حتّى انكشف له فجأة، في حدس روحاني، أنّ الخلاص ممكن وأنّه يقوم على التجرّد الكامل عن العالم ويفضي إلى انحلال الوجود الشخصيّ في عالم الحسّ التجريبيّ، وأنّه لا مناص إلاّ بذلك من الدائرة اللامحدودة للولادات الجديدة في عالم الألم والمعاناة. وهكذا حصل الناسك المتجوّل على "اليقظة" واضحى بوذا. وقد جمع في عظاته المحتوى الأساسيّ لما انكشف له في ما دُعي "الحقائق المقدّسة الأربع"، وفي تعليم "النشوء عن علاقة"، أي ارتباط جميع الموجودات بعلّة سابقة وذلك في دائرة متكرّرة.

يحيي
عضو مجتهد
عضو  مجتهد

عدد المساهمات : 254
رقم العضوية : 183
تاريخ التسجيل : 26/11/2008
نقاط التميز : 493
معدل تقييم الاداء : 39

رد: مدخل إلى البوذيّة

مُساهمة من طرف يحيي في الأحد 15 فبراير - 3:13

1. حقيقة المعاناة الشاملة
الحقيقة المقدّسة الأولى تحدّد واقع العالم والحياة البشريّة كحالة معاناة. كلّ شيء هو معاناة. إنّ هذه المقولة لا تنبع من تفكير سطحيّ في شؤون هذا العالم، إنّها خلاصة تأمّل مثابر وبصيرة عميقة. فإنّ بوذا بفضل تطهير باطنه والغوص المستمرّ في سرّ ذاته، استيقظ فيه الوعي بأنّ الوجود البشريّ هو في الأساس معاناة. ولكنّه اختبر على الفور كم يصعب على الناس أن يقتنعوا بهذه الحقيقة. ويُروى أنّه أمام هذا العائق وقع في حيرة، وأوشك أن يتخلّى عن إعلان حقيقة الخلاص. ولكنّه حبًّا لتلك القلّة من الناس الذين باستطاعتهم أن يتقبّلوا حدسه الروحاني، عزم أخيرًا على أن يعلن جهارًا حقيقة المعاناة الشاملة، لافتًا انتباه سامعيه إلى مظاهر الحياة التي تجعلهم يتنبّهون لعمق البؤس الكامن في الوجود البشريّ.

كلّ أحداث لها جانب أليم، حتّى إنّه باستطاعة المراقب الاعتيادي أن يدرك ذلك. ذلك يصحّ في الولادة والمرض والموت، وفي التطلّع إلى المستقبل المضطرب والقلق المستمرّ. كلّ هذا تكمن فهي المعاناة الجذريّة. الحياة مليئة بالأوجاع والخذلان والبغض. حتّى الفرحُ يتداخله السُّم، إذ هو ممتزج بالهمّ، أو يحتوي في بعض جوانبه على معاناة للآخرين، أو تجده مرتبطًا بظروف تولّد المعاناة. مثل ذلك الفرح الغير الصافي، فإنّه لا يستطيع أن يؤدّي إلى الخلاص، ولا يمكنه على الأقلّ أن يشبع رغبة الإنسان في السعادة.
ثمّ إنّ العالم والإنسان خاضعان لشريعة الصيرورة، أي لعدم الاستقرار. فتبدّلهما وزوالهما يكشفان عن طابع المعاناة فيهما وعن سبب هذه المعاناة.

2. نشوء المعاناة
للمعاناة سببان: سبب آلي وسبب نفساني.

2-1. السبب الآلي متعلّق بترابط عوامل الوجود التي يتألّف منها العالم والإنسان، وبمفعول شريعة ثواب الأعمال (كَرْمان). في العالم يتألّف الإنسان من عوامل خمسة يتعلّق وجوده بها ويقوم عليها كيانه كلّه. هذه العوامل هي المادّة وما هو جسدي، والانطباعات التي تتأتّى عن اتصال الحواس بالأشياء المقابلة لها، والإدراكات الحسيّة الناتجة منها، وتحرّك النفس والأميال وعزيمة الإرادة، وأخيرًا المعرفة أي الوعي ومحتوياته. وقد شرح علم الإنسان في البوذيّة عوامل الوجود هذه، وحدّد بدقّة أشكال أفعالها، وأدرجها في أصناف مختلفة. فإذا بها جميعها، في كيانها ومفاعيلها، خاضعة للصيرورة – في شكل الولادة والتقلّب والموت – ولذلك فهي حاملة للمعاناة. الإنسان في عالمه الحسّي التجريبي مركّب من هذه العوامل، وحياته كلّها تقوم عليها وهي مجرّد حصيلة تفاعلها.

زد على هذه الآليّة شريعة نوّاب الأعمال. فطالما لم يحصل الإنسان على الخلاص، فإنّه يجد ذاته سجينة دائرة ولادات متكرّرة لا حدّ لها، كلّ وجود جديد فيها مشروط بالأعمال التي أُنجزت طوال الحياة السابقة. فما دام الإنسان ينجز أعمالاً تترك فيه آثارًا مقابلة أو – وفقًا للتعبير البوذي – ما دامت ثمرة أفعاله تثقل حياته جاعلة من المحتوم الخضوع لولادة جديدة، تستمرّ سلسلة الولادات الجديدة إلى ما لا نهاية له، وتظلّ كلّ ولادة جديدة تنشأ متعلّقة بسابقتها.

هكذا يتّضح كيف تقوم سلسلة العلل الآليّة. فوجود الإنسان الحاليّ هو حصيلةٌ آليّة للوجود السابق، ويحدّده الآن الترابط الآليّ لعوامل الوجود الخمسة. فطالما لم يدرك الإنسان بعدُ مرحلة التحرّر، تستمرّ هذه الآليّة وتحدّد وجودًا جديدًا. و هكذا تتكرّر السلسلة وفقًا للخطة عينها. وقد عرض التعليم البوذي هذه السلسلة السببيّة، من جملة ما عرض، على الشكل البسيط التالي:
1. غير المتحّرر، الذي لم يبلغ الخلاص، يظلّ أسيرًا لعماه، ويجني بحث أعماله (جهل، عمى).
2. تنتج من الجهل إرادة العيش، أي ما يُقال له أشكال النشاط والأميال (هذه رواسب الحياة السابقة).
3. في علاقة بإرادة العيش تنشأ في بطن الأمّ الحامل المعرفة المبدئيّة، أي ما يُدعى بالأحرى في هذه المرحلة "ما قبل الوعي".
4. في علاقة بالمعرفة ومن خلال اتّحاد الروح بالجسد، ينشأ الاسم والشكل، أي فراديّة الإنسان الماديّ، ونموّه في المرحلة السابقة للولادة.
5. في علاقة بهذه المرحلة تتكوّن الأعضاء الحسيّة، أي الحسّ الداخليّ والحواسّ الخمس الخارجيّة.
6. بعد الولادة يتفرّع من الأعضاء الحسيّة الاتّصال بالأشياء المطابقة لها في العالم الخارجيّ.
7. في علاقة بهذا الاتّصال ينشأ الإحساس. وبهذا تتحرّك السلسلة السببيّة لعوامل الوجود.
8. في علاقة بالإحساس تنشأ الرغبة والعطش، وهو التمسّك بهذا العالم.
9. في علاقة بالعطش تنشأ رغبة التملّك، والشغف المتزايد والتمسّك بالحياة. وهذا ينتج كَرْمان جديدًا، ممّا يثقل الوجود في الولادة القادمة.
10. بهذا تنشأ وتقوم الشخصيّة التجريبيّة التي تبيّن شريعة الصيرورة. هكذا يُثبت البوذيّون فعّاليّة شريعة لا يمكن الإنسان أن يفلت منها. طالما يتابع دولاب الحياة الدوران بالنوع الذي سبق وصفه.
11. في علاقة بمجمل العوامل التي جاء عرضها، تنشأ الولادة.
12. في علاقة بالولادة يأتي الهرم والموت.
على هذا النحو تفسِّر مساهمة عوامل الوجود في كلّ حياة جديدة، وتواطؤها مع شريعة الكَرْمان، الدائرة المجملة للولادات الجديدة وتوضح جميع مظاهر حياة الإنسان التجريبيّ، وتكشف له عن أوجه المعاناة في الوجود.
ولكنّ هذا التواطوء الآلي لا يؤدّي إلى ديمومة المعاناة والشقاء إلاّ بواسطة الموقف النفساني الذي يتّخذه الإنسان. وهكذا فالعنصر الأوّل للسلسلة السببيّة هو ما دُعي في الرقم 8 رغبةً وعطشًا. هذا العالم يُغري الانسان ويستميله إلى العيش، عندما يحدّد محتويات الوعي من خلال الاتّصال بحواسّ الجسد. ويصبح العطش أكثر شدّة، والرغبة أكبر إغراء، بقدر ما يتماهى الإنسان في العمق مع هذا العالم، وبقدر ما يتجذّر فيه تجذّرًا يتعذّر اقتلاعه، الاقتناع بأنّه ليس مجرّد مجموعة أحداث آليّة، بل شخصيّة حقيقيّة تختبئ فيها "الأنا" وراء المظاهر التجريبيّة، مضفيةً على هذه تلاحمها الضروري. فإذا ظلّ الإنسان تحت إمرة هذا الخطإ، ارتبط ارتباطًا أوثق بالوظائف المعيشيّة التي تبقيه موثَقًا بواقع العالم، ظانًّا أنّه مصدر القوّة والملء لوجوده. بتعلّقه بهذا العالم يحسب أنّه يستطيع أن يحافظ على الأنا الذاتي ويخلّصه ويبلغ هكذا الفرح والسعادة. ويعتقد أيضًا أنّه قد يمكنه الإفلات بشكلٍ ما من الموت. ولكنّ كلّ ما ينتج من ذلك هو أنّه يلقى ذاته أكثر ارتباطًا بعالم الحياة وخاضعًا لا محالة لولادة جديدة.

إنّ هذا التعليم عن "اللاأنا" كان موضوعًا شَغَل البوذيّين ومؤرّخي الديانات شغلاً طويلاً.
ينخدع البشر بتصوّرات مختلفة يعبَّر عنها بأنا، ولي، وشخصي. وهذه التعابير تدلّ على وجود شخص مكلّف بتأمين لُحمة الأحداث الأرضيّة في حياة الإنسان. ولكنّ الواقع هو أنّ الشخص المتوهّم ليس هو سوى مجرّد خيال. وذلك لسببين. أوّلاً إنّ تصوّراتنا حصيلة نظريّات ماورائيّة لا تتناسب مطلقًا مع واقع العالم التجريبي. في العالم التجريبي يدلّ كلّ شيء على أنّ الإنسان يتكوّن من العوامل الخمسة للوجود ويخضع لتبدّلها السّببـيّ. لذلك لا جدوى في افتراض "أنا" خارج عن عوامل الوجود هذه، ولا فائدة من الضياع في تصوّرات عقيمة. يروي التقليد البوذي أنّ بوذا المعلّم ردّ عدّة مرّات رهبانًا وزهّادًا كانوا يلحّون في سؤالهم له عن حلٍّ لمثل هذه القضايا النظريّة والمجادلات التي كانت تدور في حلقات الكهنة والروحانيّين والهندوسيّين. وهذا الرفض للاشتغال بهذه القضايا الماسّة بالنطاق الماورائيّ يمتدّ إلى أمر وجود "الأنا". ودليل ذلك ما جاء في القصّة التالية.

"جاء إلى بوذا يومًا راهب متجوّل اسمه فاتساغوترا (في اللغة الباليّة: فاتشاغوتّو) وطلب إليه أن يجيب عن سؤاله: هل الأنا موجود أم لا؟ ولكنّ بوذا لم يردّ عليه جوابًا. في وقت لاحق فسّر لتلميذه أناندا علّة موقفه: "لو أجبتُ، يا أناندا، الراهب المتجوّل وقلتُ: الأنا موجود، لجاء هذا تثبيتًا لموقف الزهّاد والكهنة الذي يؤمنون بعدم التبدّل. ولو أجبت الراهب المتجوّل فاتساغوترا وقلت: الأنا غير موجود، لدَهش من كان يعتقد سابقًا بوجود الأنا وتساءل: قبلاً كان عندي أنا، أفزال الآن؟ وعندها يهبط من ارتباك إلى ارتباك أعظم. مثل هذه المداورات الفكريّة لا تفضي إلى المعرفة الخلاصيّة" .

فعلى على كلّ حال لا ينفع أن نقول عن أيّ شيء في العالم التجريبي بأنّه يؤلّف الأنا الكائنة فيّ. لأنّ جميع عناصر العالم وكلّ أحداث الحياة البشريّة ممهورة بميزات تظهر أنّها عالقة بالألم والمعاناة، فهي بالتالي تنحصر في عالمٍ على الإنسان أن يتخطّاه حتّى يمكنه البلوغ إلى الخلاص. جميع عوامل الوجود وأحداث الحياة متقلّبة خاضعة للصيرورة والزوال. فالعاقل الحكيم الفَطِن عليه أن يثبت، على ما يلي: … أيّ شكل من الأشكال، أكان ماضيًا أو مستقبلاً أو حاضرًا، أكان في الباطن أو في الخارج، كبيرًا أو صغيرًا، من مستوى العامّة أو الأشراف، بعيدًا أو قريبًا، كلّ هذه ليست لي، أنا لستُ إيّاها، وهي ليست قطعًا الأنا فيّ. فمن اطّلع على الأشكال وفقًا للحقيقة، من رآها ولم يتمسّك بها، فذلك بلغ الخلاص. بهذا النوع عينه يجب التعامل مع الفئات الأربع الأخرى لظاهرة الوجود…" .
ويمكن إذن أن نستنتج باختصار ما يلي: جذور المعاناة الشاملة وسبب سلسلة الولادات الجديدة في حلقة لا حدّ لها هي الرغبة والعمى (عطش وجهل).

يحيي
عضو مجتهد
عضو  مجتهد

عدد المساهمات : 254
رقم العضوية : 183
تاريخ التسجيل : 26/11/2008
نقاط التميز : 493
معدل تقييم الاداء : 39

رد: مدخل إلى البوذيّة

مُساهمة من طرف يحيي في الأحد 15 فبراير - 3:13

3) إزالة المعاناة
هناك مخرج للإنسان ويقين بأنّ إزالة المعاناة ممكنة. هذه هي الحقيقة المقدّسة الثالثة عند البوذيّة. إزالة المعاناة تعني الوصول إلى حالة لا تشبه بأيّة ناحية علائم الوجود في العالم التجريبي. هي حالة حَصَل فيها التغلّب على العمى وإخماد الرغبة، فلا تكون هناك ولادة جديدة ولا صيرورة، ولا تقلّب ولا فساد ولا موت، حالةُ لا محدوديّة دائمة، فارغة من أيّ شكل محسوس، ولكنّها أيضًا حالة استقرار أبديّ وطهارة وطمأنينة وخلود وسعادة. هو الانفراد من وراء العالم، الجزيرة النائية، والمعبر والمكان الذي يمنح سترًا وحماية. تُدعى هذه الحالة نِرفانا (بلغة البالي: نِبَّانا). النرفانا نقيض العالم، ولذلك لا يمكن تحديده إيجابيًّا بنوع موافق. هو المطلق مقابل العالم المركّب من أجزاء. هو المتعالي، المغاير تمامًا، الذي لا يمكن ضبطه بواسطة المفاهيم ولا التلميح إليه بالأوصاف. النرفانا هو حالة التحرّر الكامل من أيّ تلوّث ومن أي ارتباط بالعالم، تحرّر من الجهل والهوى، وإفلات من سلاسل العالم وذوبان الشخص التجريبي الخالي من الأنا.

4) الطريق المؤدّية إلى إزالة المعاناة
لبلوغ النرفانا هناك طريق تُدعى في الحقيقة المقدّسة الرابعة طريق المراحل الثماني. جاء عن بوذا قوله: "أيّها الرهبان، هذه هي الحقيقة الشريفة عن الطريق المؤدّية إلى إزالة المعاناة: الرأي المستقيم، والعزم المستقيم، والقول المستقيم، والعمل المستقيم، والسلوك المستقيم، والسعي المستقيم، والتفكير المستقيم، والاستغراق المستقيم.

وهكذا فطريق الخلاص تقوم على مرحلتين: على أخلاقيّات تكون إعدادًا لسلوك الطريق الحقيقيّة المؤديّة إلى الخلاص، وعلى استغراق في التأمّل ذي طابع روحانيّ يقود إلى اكتساب الحكمة المنشودة.

إتمام الأحكام الأخلاقيّة ممكن لجميع أتباع البوذيّة. وغرضها إطفاء الشهوات، خاصّة الأهواء الأساسيّة، أي العمى، والرغبة، والبغض، التي هي أصل جميع الآفات البشريّة، إذ هي تكبّل الإنسان بهذا العالم وتخلّف كَرْمان سيّئًا يفضي من باب الضرورة إلى وجود أليم جديد. فالتحرّر من الشهوات يمكن أن يتمّ من خلال مسلك مليء بالفضائل. فعلى البوذي أن يمارس خاصّة الفضائل التالية: الرأي المستقيم، أي الاعتراف بالحقائق المقدّسة الأربع، وهذا تمهيد للولوج إلى سبيل الخلاص لا يمكن التخلّي عنه. ثمّ هناك العزم المستقيم على ممارسة التخلّي والتجرّد، والرأفة غير المحدودة والرضى تجاه جميع الكائنات الحيّة. ثمّ القول المستقيم. ثمّ العمل المستقيم، أي باختصار السلوك المستقيم، والمهمّ فيه أن يتصرّف كلّ واحد تصرّفًا لا يمسّ أيّ كائن آخر بأذى. وأخيرًا السعي المستقيم الذي يصدّ ما يهدّد الخلاص ويحثّ على طلب الخلاص.

متى تهيّأ للبوذي مثل هذا الاستعداد، أمكنه أن يحوز على التحرّر الشامل من الجهل ومن الشهوة. في التأمل والاستغراق الداخلي يستطيع هكذا أن يتغلّب بنوع جذري على الأهواء، ويتعمّق في التبصّر في التعليم البوذي، حتّى إنّه قد يُعطَى له في هذه الحياة أن يختبر مسبّقًا طعم الخلاص. أمّا التحرّر الكامل فلا يتمّ عادة إلاّ بعد ولادات جديدة متكرّرة، وبعد تعمّق في الاستغراق الداخلي.

عندما يقطع الإنسان أهمّ مراحل التأمّل والاستغراق الداخلي يبلغ الاستيقاظ. فالدرجة الأولى من الاستغراق تحرّره من الرغبة. والدرجة الثانية قوامها تفرّغ الروح الذي يبلغ وحدته الباطنة وبإلغاء كلّ محتوى يتعلّق بالفكر والتبصّر. والدرجة الثالثة تقوم بتخطّي كلّ فرغ وكلّ إحساس ملموس. وتقود الدرجة الرابعة أخيرًا إلى اختفاء الشعور بالارتياح النابع من وجود الجسد والحسّ الباطن. وتبقى في آخر المطاف المعرفة الصرفة، الوعي الصرف الخالي من المحتوى والطمأنينة البعيدة عن الاضطراب. في هذه الحالة يبلغ المتأمّل في حدث روحاني أسمى مراتب المعرفة ويكتسب الحكمة الكاملة.

وطالب الحكمة يجد عونًا في بعض الوسائل. هناك تراتب التنفّس، يحمل به قلبه على الراحة وذهنه على التجمّع. ثمّ إنّ التأمّل بالنجاسات، أي بالأشياء البشعة الكريهة في هذا العالم، يبيّن له كيف أنّ عالم المعاناة شنيع لا قيمه له، وبهذا يتحرّر من الرغبة والهوى. وهناك طرقٌ في التأمّل وتجميع الذهن تساعد على بلوغ حالة الوعي الخاص الخالي من المحتويات.

"لا تهدف جميع التمارين، كما يؤكّد بارو - إلى تلطيف الأهواء وقهرها فقط – وهذا هو الهدف الأساسيّ للبوذيّة – بل تنتج منها أمور أخرى أقلّ أهميّة لا يجوز إغفالها… بها يحصل السالك على ولادة جديدة بين آلهة عالم الأشكال وآلهة العالم الخالي من الأشكال، الذين توافق منازلهم درجات التأمّل والتبصّر المختلفة. وهذا يقود إلى إقامة هنيئة في ما بين الأمور المشاهَدة وإلى نوع من السعادة في هذا العالم المحدود في الزمن، يُعَدّ تذوّقًا مسبّقًا لسعادة النّرفانا، وإلى رؤية المعرفة التي بفضلها يذوب النشاط الذهني، فضلاً عن أنّ تلك الممارسات تؤدّي إلى التفكير الواعي الكامل أو إلى التحليل المليء بالحكمة وأخيرًا إلى ذوبان التلوّث، أي إلى إفناء الأهواء، وهذه ميزة القدّيسين الذين بلغوا الدرجات العليا، ويدعون أرهات".

طريق الخلاص هذا يفترض القدرة على التأمّل والاستغراق. لذلك بقي مقتصرًا على الرهبان، حتّى في نظريّة البوذيّة القديمة. أمّا العلمانيّون فبوسعهم فقط أن يُنتجوا كَرْمان جيّدًا بواسطة أعمال صالحة ودعم الرهبان وجماعاتهم. وهكذا يأملون بأن يكونوا جديرين بالدخول في الحياة الرهبانيّة في إحدى الولادات المقبلة. فالبوذي الأصيل هو إذن الراهب المتسوّل الذي يكرّس معظم أوقاته للتأمّل والاستغراق، ويحرّر روحه من كلّ تلوّث وينقّيها من العمى وكلّ شهوة. ولذلك فالفقر والامتناع عن الزواج والتزام السلام هي ركائز هذه الحياة الرهبانيّة. ومن مهمّات الرهبان أيضًا أن يبشّروا بالتعليم البوذي ويشرحوه ويروّضوا المبتدئين على أساليب التأمّل. وقد أفضى هذا النشاط إلى إغناء التراث الأصليّ للبوذيّة. وأيضًا إلى تباين في الآراء وبروز مدارس وفرق مختلفة.

نستعرض في ما يلي تعاليم التيّارات الرئيسيّة في البوذيّة، دون أن ندخل في التفاصيل وفي تبيان الآراء المختلفة عند مدارسهم وفِرقهم.

ثانيًا: البوذيّة القديمة – هينايانا (المركبة الصغيرة)
البوذيّة القديمة هي الوريثة المباشرة لتعليم بوذا الأصلي. وهي تدعى أيضًا بوذيّة تيرافادا، أيّ بوذيّة الأقدمين، أو بوذيّة شرافاكا، أيّ بوذيّة السامعين. وهناك تسمية أكثر شهرة، هي بوذيّة هينايانا، أي المركبة الصغيرة. وهذه التسمية التي يُشتمّ منها بعض التشاؤم، وردت في جماعات التيّار البوذيّ اللاّحق الذي وصف نفسه بأنّه المركبة الكبيرة (ماهايانا)، وذلك لأنّه كان يرى أنّ طريق الخلاص سهلة السلوك لجميع المؤمنين، بعكس ما كانت تقول به البوذيّة القديمة، التي كانت تخصّ بالخلاص فريقًا زهيدًا من الرهبان.

تتميّز البوذيّة القديمة بارتباطها الوثيق بالأصول الأوائل. وقد طوّرت بعض العناصر، التي كانت في ما بعد أساسًا في تكوين البوذيّة اللاحقة. وأهمّ هذه العناصر هي التالية.

شخص بوذا بدأ يتطوّر. فبعد أن كان معلّمًا ومدرّبًا، أضحى كائنًا متعاليًا فائق الطبيعة. وراح يُعتبر روحًا محضًا يسكن فوق العالم. أمّا ظهوره في شكل إنسان، فإنّما كان ذلك ليعلّم الناس طريق الخلاص. مع الزمن تحوّلت هذه الفكرة إلى تصوّر بوذا متعالٍ مطلقِ التعالي، حائز على صفات لامتناهية. من هناك انطلاق التعبّد لبوذا، تعبّدًا يُمارَس في أمكنة مقدّسة معيّنة في أديرة الرهبان.

إلى جانب بوذا شرعت تتبلور شخصيّة البوديساتفا. البوديساتفا هو من بلغ اليقظة، ولكنّه تخلّى موقّتًا عن ولوج النرفانا لالتزامه بنذر أخذ فيه على نفسه ألاّ يلج النرفانا إلاّ بعد أن يساعد سائر البشر على اكتشاف طريق الخلاص وسلوكها.

إنّ ظهور مثل هذه الآراء يعني تطوّرًا لاحقًا للبوذيّة الأصليّة القديمة، التي كانت تعتبر الخلاص حصيلة للجهد الفرديّ. فالراهب لا يجوز له أن يعتمد على أيّ شيء. وبوذا عينه لم يكن سوى حكيم أبصر نواحي التعليم الخلاصي وبشّر به، دون أن يكون باستطاعته مع ذلك أن يقدّم لأتباعه الخاصّين عونًا خلاصيًّا. فعلى الإنسان إذن أن يعتمد على نفسه. جهده الخاص، والحفاظ على تعليم بوذا، وممارسة التأمّل والاستغراق: هذه وحدها يمكنها أن تقوده إلى الحكمة والتحرّر من العمى والتعلّق بالحياة. وهي وحدها يمكنها أن تجعله يفلت من الدورة الآليّة للولادات الجديدة المليئة بالمعاناة.

ولكن هذه النظرة بدت على مرّ الزمن غير ملائمة بالنسبة إلى أغلبيّة البوذيّين الذين لم يكن بوسعهم أن يكرّسوا وقتًا طويلاً للتأمّل. في الكتب اللاحقة للبوذيّة القديمة عينها، هناك نظرة تقول بأنّ الرهبان أنفسهم لا يستطيعون أن يسلكوا الطريق المؤدّية إلى الخلاص. فالخلاص يتّسم هكذا بطابع مَعَاديّ. أمّا في بعض فترات متأخّرة من التاريخ، فتستطيع قلّة من الرهبان أن تنتج كَرمان جيّدًا وتتّخذ قرارًا مستقيمًا، فتعقد العزم على سلوك الطريق المؤدّية إلى الغاية النهائيّة.

وهكذا فإنّ اعتبار حاجات العلمانيّين إلى جانب الامتيازات الخاصّة بالرهبان في اتّباع الخلاص، قد أدّى إلى تطوير التعليم في مدرسة ماهايانا.

يحيي
عضو مجتهد
عضو  مجتهد

عدد المساهمات : 254
رقم العضوية : 183
تاريخ التسجيل : 26/11/2008
نقاط التميز : 493
معدل تقييم الاداء : 39

رد: مدخل إلى البوذيّة

مُساهمة من طرف يحيي في الأحد 15 فبراير - 3:14

ثالثًا: البوذيّة ماهايانا (المركبة الكبيرة)
نشأت البوذيّة ماهايانا حوالي بدء العهد المسيحيّ. ولكنّها لم تبلغ كمال ازدهارها إلاّ بعد القرن الثاني. وتقوم مساهمتها الكبرى بإفساح المجال لمناهج جديدة في سُبُل الخلاص، مناهج تأخذ بعين الاعتبار الحاجات والأوضاع الحياتيّة عند الفئات المختلفة في الجماعة. وقد أضحى هذا التنوّع في طُرق الخلاص ممكنًا خصوصًا بفضل التطوّر اللاحق للتعليم عن بوذا وبوديساتفا.

ازداد بوذا تساميًا بحيث إنّه صار كائنًا فائق الطبيعة، متعاليًا، مطلقًا، يتخطّى المكان والزمان، بل يتخطّى عالم الأشكال عند الآلهة، والعالم الأرفع غير المادي عادم الأشكال. وهكذا يضحي بوذا الحقيقة المطلقة يتمّ تصوّره تارة ككائن غير شخصيّ، وطورًا ككائن شخصيّ، ويُدعى "جسم الشريعة". ولكن هذا البوذا المطلق لا ينتسب إلى عالمنا، بل هو منـزّه لا تطاله محاولات الإنسان لفهمه وحصره. ومع ذلك هو وحده الحقيقة، وما سواه ليس إلاّ مظهرًا عابرًا. أحد تجليّات البوذا المطلق هو البوذا السماويّ، المدعو "جسم التذوّق". هذا يقوم فوق عالمنا الحسّي ويحيا إلى جانب الآلهة، ولكنّه مرتبط بعالمنا الذي هو مجرّد مظهر، بحيث إنّه يكون موضوع إكرام وعبادة، ويمكن أن تصل إليه المفاهيم والتصوّرات البشريّة. وهناك طبقة أدنى، وهي التجلّي الأرضيّ لبوذا، ويسمّى "جسم الخليقة": أي بوذا في هيئة بشريّة. هذا البوذا مات، وتلاشت ذاتيّته الخاليّة من الأنا، فلا وجود لها من بعد. ويبقى البوذا الرحيم السماويّ (هذا خاصّة بالنسبة إلى العلمانيّين)، والبوذا المطلق الروحانيّ (هذا بالنسبة إلى الرهبان القادرين على التأمّل المستغرق والحدس الروحاني)، يحافظان على أهميّتهما الخلاصيّة في حياة البوذيّين وسعيهم وراء الخلاص.

إلى جانب بوذا لاقى تصوّر بوديساتفا انتشارًا واسعًا، واتّخذ أهميّة متزايدة. ففي نظر العلمانيّين البوديساتفا هو الشخص الديني المثالي، لأنّه قطع مراحل طريق الخلاص حتّى النهاية. ولكنّه شفقة على الناس، التزم أن يؤجّل خلاصه النهائيّ الخاص، ليمدّ يد المعونة للآخرين. فعزمه على المساهمة في خلاص الآخرين لا حدّ له. هو مستعدّ لأن يهب الآخرين استحقاقاته الخاصّة، لكي يحصلوا على الخلاص بسرعة أكبر، حتّى البلوغ إلى التحرّر النهائيّ. هناك حسب التعليم البوذي بوديساتفا أرضيّون، وكلّ إنسان شفوق محبّ يعمل على خلاص الآخرين. يمكن أن يكون واحدًا منهم. ولكنّ البوديساتفا السماويّين الذين يعيشون في عالم الآلهة، أشدّ فاعليّة، إذ إنّهم اكتسبوا صفات إلهيّة، ويكرّسون الآن ذواتهم، بنوع كامل، لخدمة الناس في أمر الخلاص، قبل أن يَلجوا النرفانا ويبلغوا إلى حالة البوذا الروحيّة.
إنّ تطوّر التعليم حول بوذا وبوديساتفا متّصل بتطوّر الطريق التقليدي للخلاص وبالكشف عن إمكانيّات جديدة للخلاص.

1. تطوّر الطريق التقليدي للخلاص
1-1. مدرسة طريق الوسط
إلى جانب الطريق المستند إلى الأخلاق الذي تمّ تلقّيه من البوذيّة القديمة دون تعديلات مهمّة، طرأ على طريق الحكمة السلبيّة، أي طريق التأمّل ونكران العالم والتبصّر العميق، تعمّق وإعادة تحديد. هذا عبّر عنه خصوصًا تعليم مدرسة "طريق الوسط" (مادياميكا)، التي يُقال إنّ مؤسّسها ناغارجونا قد عاش نحو منتصف القرن الثالث بعد المسيح. وقد جاء في هذا التعليم أنّ الأساس الجديد للتأمّل هو تأكيد الفراغ الشامل. كانت البوذيّة الأصليّة تستنتج أنّ جميع اشياء العالم وكلّ أحداث الحياة البشريّة هي غير ثابتة، مليئة بالمعاناة وخالية من الأنا. مدرسة طريق الوسط ساقت هذه الفكرة المسلّم بها إلى أقصى نتائجها: كلّ شيء فارغ، كلّ شيء في هذا العالم مجرّد مظهر، حتّى بوذا نفسه ليس هو سوى مظهر. فمن الغرور المستفحل أن نعتبر أيّ شيء ممّا نتصوّره أو نفكّر فيه شيئًا له شخص أو جوهر. فإنّنا في نطاق الإدراك الحسّي والأفكار نبقى في العالم التجريبي، وهذا هو مجرّد مظهر، إذ إنّ الإنسان غير قادر على الإطلاق أن يكوّن لنفسه مفاهيم وتصوّرات دون أن يرجع إلى هذا العالم. وحتّى المطلق عينه، والنرفانا أو بوذا الشريعة المتعالي، لا يمكن فهمهم إلاّ كنقيض للكيان التجريبي النسبي.

ولقد طوّرت مدرسة طريق الوسط مفهوم الحكمة السلبيّة بنوع استنتاجي صارم، حتّى إنّها صاغت مقولات تبدو مليئة بالمفارقات ومحيّرة، كلّ شيء فارغ، الإنسان فارغ، بوذا فارغ، وحتّى النرفانا فارغ. ليس المقصد من هذا بناء نظريّة فكريّة، المقصد النصح باتّخاذ موقف عمليّ. فالحكيم عليه ألاّ يجهد في الحصول على أيّ شيء وأيّ هدف في حياته. إنّما هو التخلّي التام عن العالم يصل بالحكيم إلى حالة طمأنينة بعيدة عن الاضطراب وإلى حريّة الروح الباطنة، أي إلى حالة تفتح أمامه طريق الخلاص.

فموقف الحكيم يتبلور في مبادئ ثلاثة:
- عدم التحصيل: الحكيم صار هادئًا إلى درجة أنّه لم يعد يرغب في تحصيل أيّ شيء، ولا في البلوغ إلى النرفانا. وعندما يكون عدم الرغبة في الحصول شاملاً عندئذٍ لا يكون في الإنسان أقلّ ميل إلى الحياة. وهكذا يُقرُب انحلال الإنسان التجريبي، وبالتالي يكون الخلاص قريبًا.
- عدم التأكيد: كلّ مقولة لها علاقة بعالم الفراغ، ولذلك لا تستطيع أن تعبّر عن شيء جوهري، ولا أن تمهّد للوصول إلى شيء حقيقي واستيعابه. فعلى العاقل الحكيم أن ينقّي ذهنه من أيّ تلوّث ومن أي فكر؛ عليه أن يقطع كلّ رابط يربطه بهذا العالم، فيقلع عن استعمال التعابير الفكريّة والاشتغال بالتحليلات المنطقيّة. بهذا يتوثّق فيه الاقتناع بأنّ العالم ليس هو سوى مجرّد مظهر، فيستطيع هكذا بسهولة أكبر أن تستتبّ فيه حالة الصفاء الداخليّ.

- عدم الوثوق بشيء: هذا ينصبّ في اتجاه المبدإ الثاني. فإنّه لا شيء في هذا العالم يستحقّ أن يتعلّق المرء به. فالخلاص يقوم فعلاً بالانحلال والتحرّر من عالم المظاهر هذا.

عندما ينجح الحكيم بفضل التأمّلات والممارسات المتكرّرة في الوصول إلى هذا الموقف السلبيّ الجذريّ، يحصل على العلم الشامل، فيعلم الروابط السببيّة التي تكوّن العالم، ويبلغ بذلك إلى الرؤية الواضحة الخلاصيّة لفراغ جميع الأشياء، بحيث إنّه لا يعود يحتفظ بأي ارتباط بهذا العالم. حتّى ولو أنّه واصل التفكير والقول والعمل. فأفكاره الخاصّة وأعماله لا تعود تهمّه، وذهنه لا تمسّه الأفكار المفردة، وقلبه لا تهزّه مظاهر العالم وأحداث الحياة. الحكيم بلغ الهدوء الداخلي الذي هو استباق للخلاص النهائيّ.
هذا يعني أنّه يجب عدم البحث عن الهدف الأقصى، وهو حالة بوذا أو النرفانا، كأنّنا نبحث عن كيان خارجيّ أو متعالٍ عن الإنسان. في النهاية، ليس هناك فرق بين النرفانا، كما نتمثّله عن حالة بوذا التي نتعرّف إليها، وأيّ كيان آخر من هذا العالم. الحكيم يعلم أنّ كلّ هذا فارغ، وهو مقتنع كليًّا بأن ذاته هي ذات بوذا والنرفانا.
فالفراغ له إذن جانبان. الجانب السلبي يشير إلى عدم الثبوت وإلى الزوال، وانعدام الأنا في عناصر العالم وأحداث الحياة. وهذا يُتيح للحكيم أن ينعتق بنوع أسهل من روابط العالم. ومن ناحية أخرى فإنّ الفراغ، إذا تمّ اعتباره إيجابيًّا، هو صفة جميع المظاهر. وعندما تُحلّ هذه المظاهر وتختفي، ينكشف فراغها ويبدو عندها كالشيء الوحيد الثابت، كالمبدإ الأوّل للعالم، بل كطبيعة بوذا الأصليّة، فإنّ بوذا لا يستطيع أن يلج النرفانا إلاّ إذا فرغ من الأنا وانحلّ. فالفراغ إذن هو الذي يجعل طلوع النرفانا ممكنًا، ومن ثمّ تطابقَه مع طبيعة بوذا.

يحيي
عضو مجتهد
عضو  مجتهد

عدد المساهمات : 254
رقم العضوية : 183
تاريخ التسجيل : 26/11/2008
نقاط التميز : 493
معدل تقييم الاداء : 39

رد: مدخل إلى البوذيّة

مُساهمة من طرف يحيي في الأحد 15 فبراير - 3:15

1-2. مدرسة أتباع اليوغا
كان لطريق الحكمة السلبيّة توجّه جديد قام به أتباع منهج اليوغا، ودُعي مدرسة يوغاتشارا. وقد برزت هذه المدرسة في القرن الخامس بعد المسيح، وانتشرت في بوذيّة الماهايانا خلال القرن السادس. تقول هذه المدرسة بأنّ الحكمة الخلاصيّة تقوم بالوصول عن طريق التأمّل إلى فهم أعمق للبصيرة التي تثبت أنّ كلّ شيء فارغ، وأنّ كلّ شيء ليس سوى مظهر. فيبقى مع ذلك شيء واحد بمثابة أصلٍ ومبدإ أوَّل لجميع الأشياء في العالم ولكّ أحداث الحياة البشريّة. وهذا الشيء هو الروح. كلّ شيء فارغ، وكلّ شيء مجرّدُ مظهر، لأنّ كلّ شيء من إنتاج الروح، أو كما يقول أصحاب هذه الطريقة، كلّ شيء هو تلوّث الروح المجرّدة.

فبينما كانت مدرسة طريق الوسط تعتبر التأمّل الفاحص أساسًا للبصائر الروحانيّة، يرتكز تعليم مدرسة اليوغاتشارا على اختبار حالة الغيبوبة والاستغراق الانخطافي. في الاستغراق يختفي كلّ شيء، وتختفي الأفكار أيضًا، ويبقى فقط عنصر واحد مطلق، هو الروح، القدرة على التفكير والمعرفة الخاصة، والوعي الخالي من المحتويات. يمكن أن ندعوه وعيًا أساسيًّا أو، نظرًا إلى وظيفته، وعيًا خازنًا. الروح المحض هو الأساس الأصلي، لكيان الإنسان الفرديّ. ويصير وعيًا خازنًا، عندما يبدأ في تكوين الأفكار وخزنها تحت تأثير كَرْمان الوجود السابق. بهذا العمل يتلوّث الروح المحض تلوّثًا سطحيًّا، ويسبّب نشوء الفرد في سلسلة الارتباطات التي وضعناها سابقًا. الدرجة الثالثة هي تلوّث الروح العميق. يحصل ذلك عندما يكوّن الروح لنفسه المزيد من الانطباعات والتصوّرات ويتخيّلها. هذه الانطباعات والتصوّرات هي التي تؤلّف العالم التجريبي بجملته.

وعندما لا يبلغ الإنسان التنقية الشاملة لروحه، يبقى بعد الموت وعيه الخازن مشحونًا برواسب الحياة السابقة (كَرْمان) ويظلّ ملوّثًا. لذلك يكمن طريق الخلاص في إلغاء كلّ محتويات الوعي بواسطة التأمّل وجمع الروح والاستغراق الداخلي اللاحق، بحيث يختبر الروح نفسه – أقلّه لبرهة قصيرة – في حالة النقاء الخاصّ به، ويتأهّب هكذا لمعرفة طبيعة الحقيقيّة. فبتكرار الاستغراق الانخطافي ينجح الروح في التخلّي المتزايد عن محتويات وعيه، وتحرير ذاته من وهم عالم المظاهر. فيركّز قواه بنوع متزايد على الحقيقة الروحيّة المحضة الخالصة، إلى أن يبلغ من خلال سلسلة يقظات متكرّرة إلى الاستيقاظ النهائي، إلى النرفانا. فإنّه عندما يكون الروح نقيًّا غير ملوّث، عند ذلك فقط يبلغ المخلَّص إلى الحقيقة المطلقة، إلى طبيعة بوذا.

انطلاقًا من أساليب التأمّل في مدرسة طريق الوسط، ولا سيّما في مدرسة أتباع اليوغا، انتشر تيّار الشين الصينيّ (خصوصًا منذ القرن الثامن)، ووصل من هناك إلى اليابان، حيث كوّن منذ القرن الثالث عشر أساس بوديّة الزين (Zen).

2. الطريق الجديدة للخلاص: الإيمان والتسليم
مع تطوير طرق الخلاص التقليديّة، فتحت البوذيّة ماهايانا طريقًا جديدة، خصوصًا أمام العلمانيّين وجميع الذين تمنعهم عوامل مختلفة عن سلوك طريق الخلاص السلبيّة والتفرّغ كليًّا للتأمّل وللاستغراق الانخطافي. هي طريق الإيمان والتسليم (بهاكتي). من الوجهة النظريّة تقوم هذه الطريق على تعليم مدرسة طريق الوسط القائل بأنّ كلّ شيء هو أساسًا فارغ، ولذلك ليس هناك فرق مبدئيّ بين مَن وصل إلى الاستيقاظ ومن لم يصل، بين مَن بلغ الخلاص ومن لم يبلغ، بين بوذا وسائر الناس، إذ إنّهم يملكون جميعهم مسبّقًا طبيعة بوذا وبالتالي هم قادرون على الحصول على الاستيقاظ. الفارق الوحيد يكمن في أنّ بعضهم يعرف هذه الحقيقة، وغيرهم لا يعرفها. ولاكتساب هذه المعرفة ونيل اليقظة، يحتاج من ليس قابلاً للتأمّل والاستغراق الداخلي إلى عونٍ يأتيه من الخارج. وهذا العون يأتيه من البوذا السماويّ، ومن العديد من البوديساتفا، إن اتّجه إليهم بإيمان مستسلم. ينتج من ذلك من جهة أنّ الإنسان يتمرّس بالفضائل الخلاصيّة التي تعينه على الإفلات من روابط العالم والحصول على ولادة جديدة أفضل، حتّى يبلغ الاستيقاظ أو الخلاص النهائيّ. ومن جهة أخرى يدلّ توجّه بوذا والبوديساتفا نحو الإنسان لتقديم العون، يدلّ على حصول الخير، حتّى بالنسبة إلى الحياة في هذا العالم. فحمايتهم تضمن الخلاص، ورضاهم يجلب فوائد كثيرة، حتّى على الصعيد المادي.

الإيمان والاستسلام يُعبّر عنهما خصوصًا في أشكال السلوك التالية:
- مسلك لا عيب فيه أخلاقيًّا، والسعي وراء تصرّف يتشبّه بتصرّف بوذا والبوديساتفا.
- تكريم بوذا. هذا ما أدّى إلى إقامة شعائر عبادة تقدّم لبوذا، كالحمد، والتكريم، والذّكر، والاقتداء، وما يتبع ذلك من العطايا والتقادم. هذه العبارة تمكّن العلماني من جمع استحقاقات عظيمة والحصول على وجود جديد أقرب إلى الخلاص، أو على ولادة جديدة في عالم الآلهة. هناك شكل خاصّ لهذه العبادة، تطوّر بتفاعل مناهج التأمّل ورغبة الحبّ عند المؤمنين. فقد ركّز كثيرون عبادتهم على بوذا معين أو أحد البوديساتفا، ممّا أدّى إلى توثيق رباط حبّ بينهم وبين موضوع إكرامهم، رباط يوفّق لبوذا أو للبوديساتفا تسليمًا يزداد عمقًا من قِبل المؤمن، وللمؤمن عونًا أشدّ من قبل بوذا أو البوديساتفا. وقد قامت حول بوذا أميتابها نوعًا ما ديانة خاصّة، ميزتها الأساسيّة ذكر متكرّر لاسم بوذا. فالاسم يجعل بوذا حاضرًا، والذكر يمكّن من توثيق رباط حبّ بين بوذا والمصلّي. وكان الرهبان يمارسون هذا النهج ويفرضون على أنفسهم تكرارًا لهذا الذكر لم يكن يُفرَض على العلمانيّين. وقد عرف هذا النهج تطوّرًا لاحقًا بدءًا من عام 950 بعد المسيح، في الأميديّة اليابانيّة، لا سيّما طريقة الجُودُو التي أسّسها هونين (1133 – 1212).
- ممكنة وخلاصيّة هي أيضًا طريق الإيمان الصادق. فالمؤمن لديه اقتناع عميق بأنّ بوذا والبوديساتفا مستعدّان لأن يمدّا له يد العون. وهو يلتزم بدوره تشبّهًا بالبوديساتفا، بأن يقدّم جميع استحقاقاته ليساعد الناس على التوصّل من وقت إلى آخر إلى الحصول على ولادات جديدة أفضل ملاءمة، يليها بعد ذلك بسهولة أكبر الاستيقاظ والخلاص النهائي. إنّ هذه الطريقة انتشرت خصوصًا في الأميديّة في اليابان. ويجدر هنا أن نذكر التركيز على الثقة الموضوعة في بوذا أميدا، خصوصًا من قِبل جماعة الشين، التي أسّسها أحد تلاميذ هونين، واسمه (شنران شونين (1173-1262).
هناك طريقة أخرى تسعى إلى إقامة ترابط أوثق بين الغارق في التأمّل وموضوع تأمّله المرتكز على الإيمان، وذلك بواسطة التفكير في صفات بوذا.

يحيي
عضو مجتهد
عضو  مجتهد

عدد المساهمات : 254
رقم العضوية : 183
تاريخ التسجيل : 26/11/2008
نقاط التميز : 493
معدل تقييم الاداء : 39

رد: مدخل إلى البوذيّة

مُساهمة من طرف يحيي في الأحد 15 فبراير - 3:16

رابعًا: البوذيّة التانتريّة (فجريانا: مركبة الألماس)
حصل مع الوقت توفيق إضافيّ بين البوذيّة وحاجات الناس في البوذيّة التانتريّة، وهي تميل بشدّة إلى النهج التأليفي والباطني. وقد تمّ في التانتريّة، منذ القرنين السابع والثامن خصوصًا، تأليف بين التقليد البوذي للماهايانا وعناصر من الدين الشعبي الهندي الذي كان سائدًا قبل اجتياح الآريّين لمقاطعات الهند. وسمة هذا التيّار الرئيسيّة هي التشديد على شعائر العبادة ومفاعيلها السحريّة. العنصر السحريّ ليس غريبًا، حتّى عن البوذيّة الأصليّة، خصوصًا بموجب التعليم القائل بأنّ القدّيس الذي بلغ الاستيقاظ يملك قوّة سحريّة ويحصل على خصائص تفوق القوى البشريّة. ولكنّ ما كان هناك مجرّد مظهر هامشي، أضحى نقطة الارتكاز في التانتريّة. ولذلك تحتوي كتبها الدينيّة قبل كلّ شيء على عبارات سحريّة ونصوص طقسيّة، وما يقابلها من مؤلّفات تعليميّة وتفاسير.

1. تعليم التانتريّة
ومهما يكن من أمر، فإنّ تعليم الخلاص في البوذيّة التانتريّة يجب أن يُعتبر قبل كلّ شيء تطويرًا لبعض مقولات الماهايانا. فالتعليم عن أصناف البوذا تطوّر في اتجّاهٍ يركّز تنظيمًا تراتبيًّا لأعداد البوذا، بما فيه التوافق بين البوذا السماويّ والعالم التجريبيّ، أو زد على ذلك بين بعض أجزاء هذا العالم وأعضاء الجسم البشري. وقد أدّى هذا التعليم إلى تصرّف أنسب في شعائر عبادة بوذا، إذ بدأ يتبيّن أنّ البلوغ إلى بوذا حامل العون يزداد سهولة، إذا جاءت ممارسات العبادة مرتبطة بدقّة بالأجزاء الموافقة في العالم أو في الإنسان. وإلى جانب بوذا تظهر إلاهات تُدعى شاكتي. وهي تشخيص للطاقة والقدرة اللتين تعودان إلى بوذا. تلك الشاكتي تمتلك الامتيازات المعروفة عن إلالهات المجموعات الإلهيّة التقليديّة: هي صالحة ورهيبة في الوقت عينه، مَثَلها في ذلك مَثَل سائر المظاهر الأرضيّة لبوذا.

هكذا تحوّلت جماعة البوذا إلى آلهة من النوع المعتاد. وهناك، حسب تعليم بعض الفِرَق التانتريّة، فوق الكثير من البوذا السماويّين، ينتصب البوذا المطلق، المتعالي تعاليًا تامًّا، الذي يتخطّى تساميه تعالي بوذا الشريعة عند الماهايانا: هذا البوذا يُدعى بوذا الألماس. وهذا البوذا السامي يقوم عند التانتريّة بالدور الذي يعود إلى الإله الأسمى في جماعة الآلهة المعهودة، وإليه يرجع خلق العالم بواسطة قوى سحريّة. فالعالم، ومنه الإنسان، ليس هو إذن سوى هذه الخليقة السحريّة: ظاهرة صدرت عن فكر البوذا الألماسي المتعالي.

بهذا تقتبس التانتريّة تعليم مدرسة اليوغاتشارا. من جهة أخرى تحتفظ أيضًا بتعليم مدرسة الوسط عن الفراغ الشامل. فطريق الفداء يقود إلى اليقظة، مرورًا بالوعي لتماهينا الجوهريّ مع بوذا ومع العالم أيضًا. واستعمال ممارسات عبادة معيّنة يساعد الإنسان على أن يصير ما سبق وكان في الواقع دومًا، أي بوذا. فالخلاص يعني إذن إزالة الثنائيّة المُدّعاة للإنسان والبوذا، ويحصل ذلك إمّا بواسطة تحطيم عوامل وجود الفرد بمساعدة شياطين وآلهة مُرعبة، أم بواسطة الاتّحاد بطبيعة بوذا، التي تصوّر كالوحدة المكتملة بين المبدأين الذكر والأنثى.
وكلا الطريقتين تتخذان شكلاً باطنيًّا وجنسيًّا في ما يُقال له تانتريّة اليسار. إنّ هذا التحوّل عن البوذيّة الأصليّة الباغضة للأمور الجنسيّة، قد يحمل على الاستغراب. ولكن التانتريّة تبرّره لثلاثة أسباب:

- إن لم يكن هناك فرق بين الإنسان والعالم وطبيعة بوذا، فلا داعي إذن إلى القول بأنّ الأعضاء الجنسيّة ورغبة اللّذة الجنسيّة تبعد الإنسان عن الخلاص. فالشهوات لا وجود لها فعلاً خارج النرفانا. والتالي فإشباعها لا يمكن أن يكون عائقًا على طريق الخلاص.
- من جهة أخرى يستطيع الإنسان الذي يشبع رغباته ويمكّن شهواته من البلوغ إلى الأشياء الموافقة لحواسّه، بأن يستنتج من اختباره أنّ أمور العالم التي تُعتبر باعثة للسّرور هي بالحقيقة فارغة باطلة، جالبة للمعاناة.
- ثمّ إن كان المقصود البلوغ إلى طبيعة بوذا والوصول إلى المتعالي، وإن كان هذا المتعالي يُعتبر الوحدة التامّة بين المبدأين الذكر والأنثى، فالإنسان يُدرك مطابقة التامّة لهذا المتعالي، عندما يبلغ اكتماله بواسطة الفعل الجنسيّ ويقترب هكذا من طبيعة البوذا الكامنة فيه نفسه.
إنّ هذا النهج بسبب ما يخفي من مخاطر، لم يكن مباحًا للجميع، بل كان مقتصرًا على الذين تمرّسوا طويلاً بالفضيلة وبلغوا إلى بصيرة وحكمة وطمأنينة داخليّة تمكّنهم من أن يستسلموا للشهوات ويمارسوا شعائر العبادة السحريّة دون أذى وببعض الفائدة.
أمّا تانتريّة اليمين التي ازدهرت خصوصًا في الصين ابتداء من القرن الثامن فترفض إشباع الشهوات. لا جرم أنّ الشهوات لا غِنى عنها لأنّها تعطي الإنسان الطاقة والاندفاع الضروريّين. ولكن طريق الخلاص لا يُمهَّد لها إلاّ بتنقية تلك الشهوات. عندئذٍ فقط يمكن السالك أن يبلغ الحدس الروحاني والحكمة الهادئة اللذين هما مقدّمة التدرّج نحو الخلاص.

2. نهج وممارسات
ممارسات التانتريّة لها هدف مزدوج. بعضهم يرجو بواسطتها نيل عون فعّال لاكتساب البصيرة، فيما تدفع الآخرين رغبة الحصول على قوى عجائبيّة من خلال الممارسات السحريّة.

التأمّل والاستغراق هما جوهر الممارسات الدينيّة، حتّى في التانتريّة، كما هو الحال في جملة التقليد البوذيّ. بواسطتها يستطيع السالك أن يعرف وحدة ذاته مع ذات المتعالي والإلهيّ. هناك إمكانيّات مختلفة لاستحضار الإله الذي يسعى المتأمّل أن يحصل على الاتّحاد به. يمكن استعمال مقطعٍ من اللغة مناسبٍ لذلك الإله. هذا المقطع يُعتبر بذرة الإله. فمن خلال التكرار المُلحّ لهذا المقطع يشتدّ توجّه الروح نحو هذا الإله. المقطع الموافق لإله معيّن هو هوم أو فات، والمقطع الموافق لإلاهة هو سفاها. وهناك عبارة تُعدّ من أشهر العبارات يُستدعى بها البوديساتفا أفالوكيتشفارا (وهو يناسب بوذا التاريخ)، ونصُّها هو التالي: أوم ماني بادم هوم.
ومن الوسائل المتداولة استعمال حلقات سحريّة تُدعى ماندالا، من شأنها أن تظهر الإله المنويّ استحضاره في صلة بعالم الروح وبالكون، فتأتي به في أحد مظاهره أو مفاعيله المحسوسة. كذلك القول في صور الآلهة، فهي يمكنها أن تساعد على التأمّل. ثمّ إنّ التأمّل قد ترافقه حركات معيّنة تساعد على استقطاب الذهن، كأن ترافق حركة الجسد تلاوة العبارات فتسهّل بذلك تأمّل الروح واستغراقه. فإذا تمّ التطابق مع الإله المستحضَر حصل جسد المتأمّل على قوى سحريّة تجيء من ثمّ، حسب نظريّة معقّدة، مرتبطة بأجزاء معيّنة من الجسد.
إلى جانب التأمّل تحظى العبارات السحريّة بإقبال شديد. فإنّها تستعمل للبلوغ إلى الكثير من الأهداف المتنوّعة، حتّى الأهداف التي بسبب طابعها الماديّ ليس لها حسب التقليد الأصليّ أيّة صلة بالخلاص.

يحيي
عضو مجتهد
عضو  مجتهد

عدد المساهمات : 254
رقم العضوية : 183
تاريخ التسجيل : 26/11/2008
نقاط التميز : 493
معدل تقييم الاداء : 39

رد: مدخل إلى البوذيّة

مُساهمة من طرف يحيي في الأحد 15 فبراير - 3:16

خامسًا: البوذيّة في العصر الحاضر
نشأت البوذيّة القديمة وانتشرت في الهند، حيث أمكنها أن تثبت تجاه الهندوسيّة. ثمّ قامت حركة تبشير أدّت إلى انتشار الدين الجديد خارج الهند: في سريلانكا وبيرمانيا وتايلاندا، وفي الكاشمير وسوماترا. ولكن بين القرن الحادي عشر والثالث عشر تقلّصت البوذيّة في الهند واختفت، لأنّها لم تستطع أن تصمد أمام ضغط الهندوسيّة الناهضة. أمّا في سوماترا وآسيا الوسطى فقد دَحرها انتشار التانتريّة (في القرن التاسع) والإسلام (في القرن العاشر).

ولكنّ التيّار البوذي القديم تيرافادا صمد مع ذلك حتّى أيّامنا في سريلانكا وبيرمانيا وتايلاندا، وفي كامبودجيا واللاّوس. ويبدو أنّها تشهد في العصر الحاضر فترة ازدهار جديد. وقد أدّى الاتّصال بثقافة الغرب وحضارته إلى حركة تجديديّة أوضحت طاقة البوذيّة على التكيّف. والبوذيّة هذه بمؤسّساتها ومدارسها، بمستشفياتها والمؤسّسات الاجتماعيّة لها دورٌ هام في المجتمع. وقد تتدخّل أحيانًا الجماعة الرهبانيّة حتّى في شؤون البلاد السياسيّة، فتعرض حلولاً لشتّى القضايا تتناسب بحسب رأيها مع روح التعليم البوذيّ ومع خير الشعب، لا جرم أنّ في داخل الجماعة الرهبانيّة تنوّعًا في الآراء حول نشاط الرهبان الاجتماعيّ والسياسيّ. ففيما تودّ الفئات المحافظة المزيد من الانعكاف والانعزال والهدوء كي يتسنّى لها التفرّغ للتأمّل، تعتبر فئات أخرى أنّ الالتزام السياسي من واجب الرهبان، إذ هم مدعوّون لممارسة رأفة غير محدودة.

أمّا البوذيّة ماهايانا فقد نافست في الهند قرونًا طويلة البوذيّة القديمة، حتّى ُدحرتا كلتاهما على يد الهندوسيّة ومن جرّاء حملات الاجتياح الإسلامي. وظلّت الماهايانا ناشطة في الصين واليابان، وفي كوريا والفيتنام. وهي تقوم اليوم بنشاط اجتماعي مرموق وبالتزام سياسيّ واضح. في اليابان المتطوّر صناعيًّا تواجه البوذيّة ماهايانا القضايا المتعلّقة بالعلمنة، وعليها أن تثبّت أقدامها تجاه الشنتويّة التقليديّة.

أمّا البوذيّة التانتريّة فقد نشأت في الهند وانتشرت في الصين، وهي لا تزال اليوم قائمة خصوصًا في التيبت وفي مغوليا.

إلى جانب الهندوسيّة بغناها المذهل وطاقتها شبه اللامحدودة على احتضان ظواهر دينيّة مختلفة، وإلى جانب الإسلام بشهادته لله الواحد الأحد، الرحمان الرحيم، تكوّن البوذيّة في الشرق الأقصى دينًا يجب على المسيحيّة أن تدخل في حوار معه.

أجل يجدر بنا أن نحاور البوذيّة حوارًا صادقًا منفتحًا يتلقّن فيه الطرف الواحد من الآخر الكثير من ألوان الاختيار الروحي، ويتقبّل العون ويقدّم بدوره التعاون على الصعيد الدينيّ والثقافيّ والاجتماعيّ والسياسيّ العام.

يحيي
عضو مجتهد
عضو  مجتهد

عدد المساهمات : 254
رقم العضوية : 183
تاريخ التسجيل : 26/11/2008
نقاط التميز : 493
معدل تقييم الاداء : 39

رد: مدخل إلى البوذيّة

مُساهمة من طرف يحيي في الأحد 15 فبراير - 3:17

جدول زمني
حوالي 560 – 480 ق.م. : بوذا
حوالى 480 ق.م. : المجمع البوذيّ الأوّل في رجاغريها
حوالى 380/370 ق.م : المجمع البوذي الثاني في فايشالي

324 – 187 ق.م : سلالة الموريا، خصوصًا حكومة الملك أشوكا التقيّ (272-236).
250 ق.م. : المجمع البوذي الثالث في باتاليبوترا. الانتشار في سريلانكا
35 – 32 ق.م. : تحديد الكتب البوذيّة القانونيّة في سريلانكا
بعد المسيح
القرن الأوّل : نشأة الماهايانا (المَرْكبة الكبيرة)
القرن الثالث : انتشار البوذيّة القديمة في كمبودجا وأندونيسيا
منتصف القرن الثالث : ناغارجونا مؤسّس مدرسة طريق الوسط
نهاية القرن الرابع/ بدء القرن الخامس : أزانغا مؤسّس مدرسة أتباع اليوغا
القرن الخامس : انتشار البوذيّة القديمة في بورما
حوالي 522 : وصول البوذيّة إلى اليابان

القرن السابع : انتشار الماهايانا في بورما، والبوذيّة القديمة في تايلاندا
القرن السابع : نشأة التانتريّة
القرن الثامن : التانتريّة في الصين وانتشار الماهايانا والتانتريّة في أندونيسيا
حوالي 750 : التانتريّة في تيبت
نهاية القرن الثامن : الماهايانا في كمبودجا
منتصف القرن الحادي عشر : توجّه بورما إلى البوذيّة القديمة
نهاية القرن الثاني عشر : انقراض البوذيّة في الهند
القرن الثالث عشر : توجّه تايلاندا إلى البوذيّة القديمة – اللامائيّة التيبيتيّة في مغوليا
القرن الرابع عشر : انتشار البوذيّة القديمة في كمبودجا ولاوس. إصلاح البوذيّة التيبيتيّة ونشأة "الجماعة الصفراء"
القرن الخامس عشر : توجّه أندونيسيا إلى الإسلام
القرن السادس عشر : توجّه مغوليا إلى البوذيّة التيبيتيّة
1782 : المجمع الرابع للبوذيّة القديمة في تايلاندا
1871 : المجمع الخامس في مندلاي (بورما)
1954 : المجمع السادس في رانغون (بورما)
مصادر

Die Lehrreden des Buddha aus der Angereihten Sammlung Anguttara Nikaya, 5 vol., 3ème éd., Köln 1968.
E. Meier / A. Th. Khoury, Buddha für Christen, Freiburg 1986.
G. Mensching, Buddhistische Geisteswelt, Darmstadt 1955.

مراجع

A. Bareau, Buddhismus, in: Die Religionen Indiens, III (Die Religionen der Menschheit 13), Stuttgart 1964, 1-215.
E. Conze, Der Buddhismus, Wesen und Entwicklung, 4ème éd., Stuttgart 1971.
E. Frauwallner, Die Philosophie des Buddhismus, Berlin 1956.
K. Meisig, Der Buddhismus, 3ème éd., Freiburg 2003.

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 11 ديسمبر - 6:03